معالجات اخبارية

فساد سلطة رام الله وغياب الترشيد يفاقمان الأزمة المالية الفلسطينية

يفاقم فساد سلطة رام الله وسوء إدارة المال العام وغياب الترشيد الأزمة المالية، في وقت تتحمل فيه فئات الموظفين وأصحاب الدخل المحدود والمستحقون للدعم الجزء الأكبر من تداعيات العجز المالي، بينما تستمر مخصصات وامتيازات كبار المسؤولين والوزراء وكبار الموظفين دون ظهور إجراءات إصلاحية شاملة تعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام.

وتواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية معقدة تتداخل فيها عوامل خارجية، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أو اقتطاع أجزاء من أموال المقاصة، إلى جانب تراجع المساعدات والمنح الخارجية، لكن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن هذه العوامل لا تعفي الإدارة الفلسطينية من مسؤوليتها عن معالجة أوجه الخلل الداخلية ووقف الهدر وإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي.

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة إن الأزمة المالية الفلسطينية “مركبة”، موضحاً أن الاحتلال يحتجز أموال المقاصة ويفرض قيوداً اقتصادية متواصلة، فيما يتراجع الدعم الخارجي، لكن الإدارة الداخلية للمال العام تتحمل في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة بسبب غياب الترشيد الحقيقي، وعدم تنويع مصادر الإيرادات، واستمرار أوجه الإنفاق التي يمكن ضبطها أو إعادة النظر فيها.

وأوضح دراغمة أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على مطالبة الدول المانحة بتقديم المزيد من المساعدات أو انتظار الإفراج عن أموال المقاصة، بل تتطلب مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق الحكومي، تبدأ من داخل مؤسسات السلطة نفسها.

وأكد ضرورة وقف ما وصفه بـ”نزيف المال العام” عبر خطوات عملية وواضحة، تشمل وقف الترقيات غير الضرورية، وضبط البدلات والمصاريف، ومراجعة ملف السيارات الحكومية والامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات الرسمية والحد من التوسع الإداري الذي يثقل كاهل الموازنة.

فساد السلطة الفلسطينية

شدد دراغمة على أن أي سياسة تقشف جادة يجب ألا تقتصر على الموظفين وأصحاب الرواتب المحدودة، في حين تبقى مستويات الإنفاق والامتيازات في المؤسسات العليا بمنأى عن المراجعة، مؤكداً أن الترشيد ينبغي أن يبدأ من القيادة وكبار المسؤولين قبل أن يمتد إلى الموظفين والفئات الأكثر هشاشة.

وتأتي هذه الانتقادات في ظل استمرار الأزمة المالية في التأثير على قدرة السلطة على الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة والبرامج الاجتماعية، ما يزيد الضغوط على آلاف الأسر الفلسطينية التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الرواتب الحكومية والمساعدات.

ويرى دراغمة أن الحديث عن وقف الهدر لا ينبغي أن يبقى في إطار الشعارات، داعياً إلى إعلان خطة إصلاح مالية واضحة تتضمن نشر بنود الإنفاق العام بصورة أكثر شفافية، ومراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتعزيز أدوات الرقابة والتدقيق، وربط كل نفقة حكومية بأثرها الفعلي على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأبرز أن استعادة الثقة بالإدارة المالية تتطلب إظهار واضح لكيفية توزيع الموارد المحدودة، ولا سيما في ظل الأزمة الحالية، بحيث يعرف المواطن أين تنفق الأموال العامة وما هي القطاعات التي تحظى بالأولوية، بدلاً من استمرار سياسة إدارة الأزمة من خلال تأخير المستحقات أو تقليص ما يصل إلى الموظفين والفئات المحتاجة.

واعتبر الخبير الاقتصادي أن الخروج من الأزمة يحتاج إلى العمل في مسارين متوازيين؛ يتمثل الأول في خفض النفقات غير الضرورية وتعزيز الشفافية والرقابة داخل مؤسسات السلطة، بينما يقوم المسار الثاني على بناء مصادر إيرادات أكثر استدامة، تقلل من الاعتماد شبه الكامل على أموال المقاصة والمنح والمساعدات الخارجية.

وشدد دراغمة على أن اقتصاداً يظل معلقاً بقرار الاحتلال الإسرائيلي وبمواقف المانحين لا يمكن أن يحقق استقراراً مالياً طويل الأمد، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يجعل الموازنة الفلسطينية رهينة لعوامل سياسية وأمنية خارجية، ويترك الموظفين والمواطنين في مواجهة مباشرة مع نتائج أي أزمة جديدة.

وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الاحتياجات الاجتماعية، تتزايد المطالب بأن تتحول دعوات الإصلاح إلى إجراءات ملموسة تشمل مختلف مستويات الإدارة، لا أن تقتصر على تحميل الموظفين والطبقات محدودة الدخل كلفة الأزمة.

وبهذا الصدد دعا دراغمة إلى اتخاذ قرارات سريعة وشفافة قبل أن يتسع العجز وتزداد انعكاساته الاجتماعية، محذراً من أن التأخير في تنفيذ إصلاحات حقيقية سيؤدي إلى تعميق معاناة الموظفين والمواطنين، خصوصاً في ظل استمرار التحديات الاقتصادية التي يفرضها الاحتلال.

وبينما تستمر السلطة في مواجهة أزمة سيولة متكررة، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً حول مدى استعدادها لبدء إصلاح داخلي فعلي يعيد ضبط الإنفاق ويحد من الامتيازات ويخضع إدارة المال العام لرقابة أكثر شفافية. فبدون برنامج إصلاح واضح على الأرض، ستبقى معالجة الأزمة محصورة في إدارة نتائجها، فيما تستمر أسبابها الداخلية والخارجية في إنتاج عجز جديد ومعاناة أكبر للمواطن الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى