قرار إسرائيلي ينقذ سلطة رام الله من خطر الانهيار الكبير مكافأة على حصارها لغزة

في خطوة منحت سلطة رام الله متنفساً مالياً جديداً، أعلن نائب محافظ (بنك إسرائيل) أندرو عبير أن البنوك الإسرائيلية ستواصل علاقاتها المصرفية مع نظيراتها التابعة لسلطة رام الله حتى نهاية عام 2026، بعد التوصل إلى اتفاق يقضي بتأجيل قطع هذه العلاقات، في قرار ينقذ السلطة من خطر أزمة مالية واسعة قد تدفعها نحو انهيار أكبر.
وقال عبير، في تصريحات لوكالة “رويترز”، إن بنكي “هبوعليم” و”ديسكونت” الإسرائلييين كانا يعتزمان قطع علاقاتهما مع البنوك الفلسطينية، قبل التوصل إلى اتفاق يقضي باستمرار علاقات المراسلة المصرفية.
وأوضح أن ملف استمرار العلاقات المصرفية سيكون من بين القضايا التي يتعين على الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحديد الجهة المسؤولة عنها مستقبلاً.
وأثار احتمال قطع العلاقات المصرفية الإسرائيلية الفلسطينية مخاوف واسعة بشأن تدفق الأموال والمعاملات المالية بين دولة الاحتلال وسلطة رام الله، في ظل اعتماد النظام المصرفي الفلسطيني بدرجة كبيرة على البنوك الإسرائيلية لإجراء معاملات مالية أساسية.
ويمثل القرار الإسرائيلي، عملياً، إنقاذاً جديداً لسلطة رام الله من أزمة كانت تهدد القطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني، في وقت تعاني فيه السلطة أصلاً من ضائقة مالية متواصلة وتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
التواطؤ في حصار غزة ماليا
يأتي هذا الإنقاذ في ظل استمرار سلطة رام الله في سياسة مالية أثارت غضباً واسعاً في قطاع غزة، حيث امتنعت سلطة النقد الفلسطينية، طوال أشهر حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، عن إرسال سيولة نقدية جديدة إلى القطاع، بذريعة عدم وجود بيئة آمنة واحتمال تعرض فروع البنوك للأموال للسرقة.
وبينما تحصل سلطة رام الله على متنفس جديد عبر استمرار علاقاتها المصرفية مع دولة الاحتلال، بقي أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة يواجهون أزمة نقدية خانقة، في ظل استمرار الحرب والحصار الإسرائيلي وتدمير البنية الاقتصادية والمصرفية للقطاع.
وقد تحول وقف إرسال السيولة النقدية إلى غزة إلى جزء من واقع مالي ساهم في خنق السكان خلال واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ القطاع.
وتبرر السلطة بأن الأوضاع الأمنية في غزة لا تسمح بإرسال الأموال وحماية البنوك، إلا أن هذا التبرير يثير تناقضاً واضحاً مع الواقع في الضفة الغربية، التي تخضع فيها المدن والمناطق لنفوذ السلطة وأجهزتها الأمنية.
فخلال عام 2024 وحده، سجلت الضفة الغربية أكثر من 16 عملية سطو مسلح على البنوك، بمعدل يقارب عملية كل شهر ونصف، الأمر الذي يضع تساؤلات جدية حول استخدام “غياب الأمن” مبرراً لحرمان غزة من السيولة النقدية.
وبينما تمنع غزة من الحصول على الأموال الجديدة بذريعة الخشية من السرقة، شهدت الضفة الغربية عمليات سطو متكررة على المؤسسات المصرفية، من دون أن يؤدي ذلك إلى وقف الحركة المالية أو منع ضخ السيولة فيها.
أزمة النقد المالي في غزة
في غزة، تحولت أزمة النقد إلى واحدة من أخطر نتائج الحرب والحصار. فالقطاع يعاني من نقص حاد في الأوراق النقدية، بالتزامن مع التدمير الإسرائيلي الواسع للبنية التحتية والمنازل والمؤسسات الاقتصادية والمصارف.
وتفاقمت الأزمة مع اعتماد السكان المتزايد على المساعدات المالية والتحويلات القادمة من الخارج، في وقت يحتاج فيه النازحون إلى الأموال النقدية لتأمين الغذاء والدواء والمأوى واحتياجات الحياة الأساسية.
وكان البنك المركزي الإسرائيلي يرسل بانتظام أوراقاً نقدية من الشيكل إلى قطاع غزة قبل اندلاع الحرب، قبل تشديد الحصار منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر 2023.
ومع استمرار شح السيولة، اضطرت المؤسسات الإغاثية إلى توزيع عشرات الملايين من الدولارات على الفلسطينيين عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني، بينما يعتمد آخرون على الحوالات المالية التي تصلهم من أقاربهم في الخارج.
لكن تحويل الأموال الإلكترونية إلى نقد أصبح عملية مكلفة للغاية، إذ يضطر سكان غزة إلى دفع عمولات تتجاوز 20% لصرافي الأموال للحصول على السيولة، بحسب مسؤول مالي فلسطيني رفيع.
ومع استمرار الحرب وعدم دخول أوراق نقدية جديدة، وصلت الأزمة إلى مستويات دفعت سكان غزة إلى البحث عن وسائل بدائية للحفاظ على العملة المتداولة.
ويكشف التناقض بين القرار الإسرائيلي بإنقاذ العلاقات المصرفية مع سلطة رام الله وبين استمرار حرمان غزة من السيولة، واقعاً سياسياً ومالياً صارخاً.
فبينما تواجه السلطة خطر الاختناق المالي، تتدخل دولة الاحتلال لتأجيل أزمة قد تهدد استقرار نظامها المصرفي واقتصادها، في وقت تواصل فيه سلطة رام الله المشاركة عملياً في خنق غزة مالياً عبر الامتناع عن إرسال السيولة.
وبذلك، تحصل سلطة رام الله على مكافأة مالية جديدة من الاحتلال عبر استمرار علاقاتها المصرفية، بينما يبقى قطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي، ويواجه سكانه أيضاً سياسة نقدية فلسطينية حرمتهم من أبسط أدوات الحياة الاقتصادية.





