تحليلات واراء

سلطة رام الله تكتفي بالبيانات في مواجهة تهويد التعليم بالقدس وتتمسك برهان التسوية

في وقت تمضي فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بخطوات متسارعة لفرض مناهجها التعليمية على عشرات آلاف الطلبة الفلسطينيين في القدس المحتلة، ومنع عشرات المعلمين الفلسطينيين من الوصول إلى مدارسهم، اكتفت سلطة رام الله مجدداً بالبيانات والمطالبات الدولية، وسط عجز واضح عن ترجمة مواقفها المعلنة إلى إجراءات قادرة على مواجهة الهجوم الإسرائيلي المتصاعد على الهوية التعليمية الفلسطينية.

وأعلنت حكومة رام الله خلال اجتماعها الأسبوعي تمسكها بالمنهاج الفلسطيني في القدس المحتلة، مطالبة بـ”تحرك دولي فاعل” ضد إجراءات الاحتلال بحق المدارس والمعلمين، ومؤكداً ضرورة حماية التعليم الفلسطيني في المدينة المحتلة.

لكن بين ما تعلنه الحكومة وما يجري على الأرض، تبدو الفجوة واسعة؛ فالاحتلال لا ينتظر بيانات الإدانة كي يمنع معلماً من الوصول إلى مدرسته، ولا يحتاج إلى اجتماعات حكومية كي يفرض منهاجه على الطلبة، فيما تواصل السلطة إدارة الأزمة عبر البيانات والمناشدات الدولية، في ظل تمسكها بمسار التنسيق الأمني ورهانها المستمر على التسوية و”سحب الذرائع” من الاحتلال.

وتفرض السلطات الإسرائيلية مناهجها على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني في المدارس الحكومية بالقدس الشرقية المحتلة، في إطار حملة متصاعدة تستهدف قطاع التعليم الفلسطيني والهوية الوطنية للمدينة.

وبموجب ذلك فإن نحو 38% من الطلبة الفلسطينيين في القدس سيتلقون تعليمهم وفق المناهج الإسرائيلية بدلاً من المنهاج الفلسطيني، وهي نسبة تشكل ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالسنوات السابقة.

وشملت الإجراءات الجديدة صفوفاً جديدة، بينها الصفان الأول والسابع، في المدارس الحكومية التابعة لنظام التعليم الإسرائيلي في القدس الشرقية، في خطوة وصفت بأنها من أخطر التحولات التي يشهدها التعليم الفلسطيني في المدينة منذ احتلالها عام 1967.

التعليم في القدس ساحة مواجهة

وقال المتحدث باسم محافظة القدس معروف الرفاعي إن القرار يمثل تصعيداً خطيراً وغير مسبوق، مؤكداً أن فرض المنهج الإسرائيلي يستهدف الرواية والهوية الفلسطينية، ولا سيما الموضوعات المتعلقة بالنكبة والأسرى والقدس.

وتحوّل التعليم في القدس المحتلة إلى ساحة مواجهة مباشرة حول الوعي والذاكرة والهوية، فيما تعمل دولة الاحتلال على إعادة تشكيل البيئة التعليمية بما يخدم سياسة الضم والتهويد وفصل المدينة عن محيطها الفلسطيني.

كما رفضت سلطات الاحتلال السماح لنحو 70 معلماً من الضفة الغربية بالدخول إلى القدس، حيث يعملون في المدارس الفلسطينية الخاصة، ما أدى إلى تأخير بدء العام الدراسي 2026-2027.

وأعلنت المدارس الفلسطينية الخاصة تعليق الدراسة إلى حين إعادة إصدار أو تجديد تصاريح دخول المعلمين والموظفين القادمين من الضفة الغربية.

وتزداد خطورة هذه الإجراءات بالنظر إلى أن نحو 40% من المعلمين في المدارس الفلسطينية الخاصة بالقدس يعيشون في الضفة الغربية، ما يجعل الاحتلال قادراً على شل العملية التعليمية بقرار إداري ومنع حركة المعلمين.

وهنا يظهر السؤال الذي تتجنبه الحكومة الفلسطينية: كيف ستوفر السلطة “الحماية” للتعليم والمعلمين في القدس، وهي عاجزة حتى الآن عن توفير الحقوق الكاملة للمعلم الفلسطيني في الضفة الغربية؟.

فساد سلطة رام الله

إن المعلم الذي تطالبه السلطة بحماية المنهاج الفلسطيني والهوية الوطنية يعيش هو نفسه أزمة مستمرة تتعلق بالرواتب والمستحقات وظروف العمل، بينما يواجه معلم القدس الاحتلال مباشرة ومن دون أي حماية فعلية من السلطة.

كما أن المنهاج الفلسطيني ليس مجرد كتاب يوضع على مقعد الطالب، بل هو معلم ومدرسة وبيئة تعليمية وقدرة على الوصول إلى الصف. والحديث عن حماية المنهاج يفقد جانباً كبيراً من معناه عندما يبقى المعلم نفسه بلا حماية اقتصادية أو وظيفية، وعندما تمنع إسرائيل وصوله إلى مدرسته من دون أن تواجه سوى بيانات الإدانة.

وقد صعّدت دولة الاحتلال إجراءاتها ضد المؤسسات التعليمية الفلسطينية والأممية في القدس. ففي كانون الثاني/يناير 2026، حظر البرلمان الإسرائيلي توظيف معلمين يحملون شهادات أكاديمية صادرة عن مؤسسات تعليمية تابعة للسلطة الفلسطينية ضمن نظام التعليم الإسرائيلي.

وتحمل هذه الخطوة تداعيات مباشرة على قطاع التعليم العربي في القدس، حيث يشكل خريجو الجامعات الفلسطينية جزءاً مهماً من الكادر التعليمي.

وفي موازاة ذلك، اتخذ الاحتلال إجراءات ضد مؤسسات تعليمية تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، شملت إغلاق مدارس والاستيلاء على منشآت تعليمية في مخيمي شعفاط وكفر عقب.

ويكشف هذا المسار أن الاحتلال يعمل وفق خطة متكاملة: فرض المناهج، ومنع المعلمين، وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، واستهداف “الأونروا”، وفصل القدس عن الضفة الغربية.

أما سلطة رام الله فتواصل الرد بالمطالبة بتحرك المجتمع الدولي. وتناقش الحكومة الفلسطينية في اجتماعاتها قوانين المرور وتنظيم دور الحضانة ومشروعات الطرق والمرافق العامة ومشروعات القوانين، ثم تعود لتؤكد تمسكها بالمنهاج الفلسطيني، بينما يواصل الاحتلال تنفيذ سياساته على الأرض.

وبين فعل الاحتلال وبيانات السلطة، يقف المعلم الفلسطيني في المقدمة، يدفع ثمن الاحتلال من جهة، والعجز الرسمي من جهة أخرى، فيما تتحول حماية التعليم الفلسطيني من مهمة وطنية عاجلة إلى بند جديد في سلسلة طويلة من بيانات الإدانة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى