الانتخابات التشريعية الملغاة تكرّس أزمة حركة فتح الداخلية

كرس تحديد موعد إجراء الانتخابات التشريعية ومن ثم إلغائها بموجب مرسوم أصدره رئيس سلطة رام الله محمود عباس أزمة حركة فتح الداخلية في ظل تداخل الخلافات التنظيمية مع صراع القيادات والتيارات والتحالفات المحتملة، بما جعل الاستحقاق الانتخابي اختباراً حاسماً لوحدة الحركة وقدرتها على الحفاظ على موقعها السياسي.
وأعلنت اللجنة المركزية لحركة فتح في أخر اجتماعاتها الرسمية يوم الجمعة الماضية، عن تشكيل لجنة لدراسة الآليات التنفيذية لتحقيق “وحدة الحركة”، وسط تأكيدات رسمية بوجود رغبة جدية في إنهاء الخلافات الداخلية.
وناقشت اللجنة المركزية آليات تجاوز الوضع الاستثنائي الذي تعيشه الحركة، مؤكدة التزامها بإنهاء هذه الحالة، استناداً إلى مقترحات عملية قدمها عباس في القمة العربية، وقرارات المجلس الثوري التي اعتبرتها ملزمة للجنة المركزية وللحركة.
لكن هذه الخطوات، بحسب مصادر فتحاوية، كشفت حجم القلق داخل قيادة السلطة والحركة من انعكاس الانقسامات على نتائج الانتخابات.
مروان البرغوثي الهاجس الأكبر لعباس
قال مصدر فتحاوي إن قلق عباس وقيادة السلطة وفتح لم يكن منصباً بالكامل على تيار محمد دحلان أو احتمال تحالفه مع حركة حماس وفصائل أخرى، بقدر ما كان يرتبط بصورة أكبر بالأسير مروان البرغوثي.
وأوضح المصدر أن دعم البرغوثي قوائم مستقلة أو فتحاوية موازية لقائمة فتح الرسمية يمكن أن يقلب الموازين الانتخابية.
وأضاف أن هذا الاحتمال قد يفسر أحد أبرز دوافع إلغاء الانتخابات قبل يومين من إغلاق باب الترشح للقوائم، معتبراً أن إعلان موعد الاقتراع أتاح لعباس اختبار خريطة القوائم والتحالفات التي يمكن أن تتشكل.
فشل فتح في الاتفاق على قائمة واحدة
خلال الأسابيع التي سبقت قرار التأجيل، خاضت فتح سباقاً داخلياً لترتيب قائمتها الانتخابية وحسم خلافاتها، في وقت بقيت فيه احتمالات تأجيل الانتخابات مطروحة داخل أروقة الحركة.
ولم تكن المعركة مقتصرة على اختيار المرشحين فقط، إذ تداخلت فيها الخلافات التنظيمية مع مستقبل قيادات بارزة، من بينها جبريل الرجوب ومحمود العالول، إلى جانب ملف المفصولين وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان.
وأكدت قيادة فتح في خطابها الرسمي أن الحوار الداخلي يهدف إلى الوصول إلى قائمة واحدة تمثل مختلف أطر الحركة. غير أن تعدد المواقف بشأن الانتخابات وطرح مقترحات لتأجيلها كشفا أن الخلافات لم تكن قد حُسمت بل تفاقمت.
وأفادت المصادر بأن اللجنة المركزية والمجلس الثوري قادا لقاءات في المحافظات لاختيار المرشحين، بالتوازي مع محاولة تثبيت وحدة الحركة قبل تقديم قوائم انتخابات المجلس التشريعي.
وقال مصدر قيادي إن النقاشات هدفت إلى تشكيل قائمة رسمية واحدة، في ظل إدراك داخلي بأن خوض الانتخابات بأكثر من قائمة قد يهدد قدرة فتح على الحفاظ على موقعها.
وامتد الخلاف إلى شكل العلاقة بين الأجنحة المختلفة والملفات التنظيمية العالقة، وعلى رأسها قضية المفصولين والعلاقة مع تيار الإصلاح الديمقراطي.
وفي أغسطس/آب 2026، عقدت فتح اجتماعاً علنياً مع التيار الذي يقوده دحلان، في لقاء وُصف بأنه الأول من نوعه على هذا المستوى. ورغم الترحيب بالاجتماع، قال سمير مشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي، إنه لم ينتهِ إلى خطوات عملية.
في المقابل، قال مصدر قيادي في فتح إن الحركة تملك قراراً بإعادة المفصولين، وإن هذا المسار بدأ قبل الاجتماع. وأضاف أن اللقاء تناول قضايا حركية قابلة للحل، لكنه تضمن أيضاً نقاطاً اعتبرتها فتح أقرب إلى الإملاءات التي ترفضها.
أزمة ثقة داخل اللجنة المركزية لفتح
في ملف الرجوب والعالول، قاطع الرجوب اجتماعات اللجنة المركزية لنحو شهرين قبل أن يعود إلى المشاركة في اجتماعها الأخير. وأعادت اللجنة انتخابه أميناً لسرها لإنهاء مقاطعته.
وقال مصدر قيادي إن قنوات الحوار فُتحت مع الرجوب والعالول، وإن الاتصالات أدت إلى عودة الرجوب، بينما استمر التواصل مع العالول.
وقد التقى وفد من اللجنة المركزية والمجلس الثوري العالول في منزله بمدينة نابلس في 13 سبتمبر/أيلول، قبل أن يتوجه برفقتهم إلى اجتماع المجمع الانتخابي للحركة في المحافظة، في محاولة لاحتواء الخلاف وإعادته إلى المسار التنظيمي.
وفي خضم هذه الأزمة، طرح مروان البرغوثي مبادرة داخل المجلس الثوري لتوحيد الحركة وتشكيل قائمة واحدة تضم مختلف أطرها، إلى جانب ترتيبات لإعادة المفصولين، ومن بينهم المحسوبون على تيار الإصلاح الديمقراطي.
وأعلنت الحركة في البيان الختامي للمجلس الثوري خوض الانتخابات ضمن قائمة وطنية موحدة تضم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لكن ذلك لم ينهِ المخاوف من استمرار التشتت.
وقال الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب إن تشتت فتح أصبح أحد أبرز التحديات أمام قدرتها على خوض استحقاق أي انتخابات قادمة.
وبحسب حرب، لا يكمن الخطر في خسارة فتح مقاعد لمنافسين تقليديين فقط، بل في انتقال أصوات من قاعدتها الانتخابية نفسها إلى قوائم تنطلق من بيئتها أو من شخصيات محسوبة عليها.
وبذلك، جاءت الانتخابات الملغاة لتكرّس أزمة فتح الداخلية، وتكشف أن معركة الحركة لم تكن فقط مع خصومها، بل مع انقساماتها المتراكمة.





