تحليلات واراء

معركة الخلافة تدخل فتح في نفق مجهول وسط سيناريو شبح التوريث

دخلت حركة فتح مرحلة جديدة من التجاذبات الداخلية مع تصاعد النقاشات بشأن مستقبل قيادة السلطة، بعد تصريحات عضو اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب التي أعادت ملف الانتخابات وترتيبات مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس إلى واجهة المشهد السياسي، وسط احتدام مبكر لمعركة الخلافة داخل الحركة.

ويرى المحلل السياسي والكاتب نبهان خريشة، أن تصريحات الرجوب تتجاوز كونها خلافاً حول ترتيب الاستحقاقات الانتخابية، لتشكل مؤشراً على بدء مرحلة جديدة من التنافس داخل حركة فتح، في ظل غياب رؤية واضحة لآلية انتقال القيادة واستمرار تعطّل الانتخابات العامة منذ سنوات.

ويشير خريشة، إلى أن الرجوب لم يوجه انتقاداً مباشراً للرئيس محمود عباس، إلا أن مواقفه الأخيرة حملت رسائل سياسية تعكس اعتراضاً على مسارين يعتقد أن جزءاً من قيادة الحركة يتجه نحوهما في المرحلة المقبلة.

ويتمثل المسار الأول، في ما يتردد داخل الأوساط السياسية بشأن وجود ترتيبات قد تفضي إلى منح ياسر عباس دوراً سياسياً متقدماً بعد انتهاء ولاية والده أو غيابه عن المشهد.

ويؤكد خريشة أن هذا الطرح لا يستند إلى إعلان رسمي أو قرار معلن من الرئاسة، وإنما إلى تقديرات وسيناريوهات سياسية يجري تداولها بين مراقبين ونخب فلسطينية استناداً إلى مؤشرات يعتبرون أنها تستحق المتابعة.

ويشير إلى أن تداول هذه السيناريوهات يعكس حالة القلق داخل أطر حركة فتح، أكثر مما يعكس وجود مشروع معلن، في ظل غياب إعلان رسمي بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة.

الانتخابات الفلسطينية العامة

يرتبط المسار الثاني، بترتيب إجراء الانتخابات العامة، حيث يدعو الرجوب إلى البدء بالانتخابات الرئاسية قبل التشريعية، في حين سبق لعباس أن أعلن المضي في الانتخابات التشريعية أولاً، وهو ما يعتبره خريشة اختلافاً سياسياً يتجاوز الجوانب الإجرائية.

ويرى أن إجراء الانتخابات التشريعية أولاً قد يمنح القيادة الحالية فرصة لترتيب المشهد السياسي من خلال مجلس تشريعي جديد يمكن أن يعزز نفوذ التيار الرسمي داخل فتح، مستفيداً من إعادة تشكيل مؤسسات الحركة ومنظمة التحرير خلال السنوات الماضية، بما يمنح مرشح المؤسسة أفضلية تنظيمية وسياسية.

في المقابل، يعتقد أن تقديم الانتخابات الرئاسية سيغيّر قواعد المنافسة، إذ ستصبح شعبية المرشحين وحضورهم داخل الشارع الفلسطيني والعناصر التنظيمية العامل الحاسم، بعيداً نسبياً عن موازين القوى داخل المؤسسات الرسمية، وهو ما يفسر، تمسك الرجوب وقاعدة واسعة في فتح بهذا الخيار.

حملة سياسية مبكرة داخل فتح

يعتبر خريشة أن تصريحات الرجوب تمثل بداية حملة سياسية مبكرة داخل حركة فتح، تستهدف مخاطبة القاعدة التنظيمية التي تشهد حالة من التململ بسبب شعور عدد من الكوادر بتراجع دور الحركة التاريخي لصالح دائرة ضيقة تتخذ القرار داخل المؤسسات الرسمية.

ويضيف أن الرجوب يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه شخصية إصلاحية من داخل الحركة، تطرح التغيير دون الانشقاق، وتنتقد آليات الإدارة دون المساس بشرعية المؤسسة، بما قد يتيح له استقطاب شرائح من كوادر فتح الباحثين عن تغيير داخلي دون الانزلاق إلى انقسامات تنظيمية جديدة.

وفي سياق موازٍ، يتناول خريشة العلاقة بين جبريل الرجوب وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ، مشيراً إلى أن الطرفين قد يلتقيان مرحلياً في مواجهة أي سيناريو يمنح الأفضلية لشخصية ثالثة في معركة الخلافة، رغم إدراكهما أن طموحات كل منهما تتجه نحو الموقع ذاته.

ويرى أن أي تقارب بين الرجوب والشيخ سيكون مؤقتاً، لأن انتهاء العامل المشترك سيعيد المنافسة بينهما بصورة مباشرة، في ظل امتلاك كل منهما قواعد نفوذ مختلفة داخل المؤسسات الفلسطينية، إضافة إلى علاقات إقليمية ودولية متباينة.

ويحذر من أن المنافسة المقبلة قد تكون من أكثر الصراعات تعقيداً داخل حركة فتح، لأنها لا تتعلق فقط بشخص الرئيس المقبل، وإنما بمستقبل النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين السلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير.

كما يتناول سيناريوهات أخرى يجري تداولها في الأوساط السياسية، من بينها احتمال أن يقدم عباس، إذا رأى أن ترتيبات المرحلة المقبلة تواجه صعوبات، على اتخاذ خطوات لتنظيم عملية انتقال السلطة قبل مغادرته المشهد السياسي.

إلا أنه يشدد على أن مثل هذه السيناريوهات تبقى في إطار التقديرات السياسية، وستواجه تعقيدات قانونية وتنظيمية، باعتبار أن رئاسة السلطة ورئاسة حركة فتح ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تخضع كل منها لآليات مختلفة ولا تنتقل تلقائياً إلى شخص واحد.

ويرى أن مجرد انتشار هذه السيناريوهات يعكس أزمة الثقة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، نتيجة غياب آليات واضحة لتداول السلطة واستمرار تعطيل الانتخابات العامة لأكثر من عقدين، الأمر الذي نقل معركة اختيار القيادة من صناديق الاقتراع إلى أروقة التنظيمات والاجتماعات المغلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى