ضغوط دولية لتجريد عباس من صلاحياته بعد تأجيل الانتخابات التشريعية

كشف الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني هاني المصري عن طرح أفكار ومقترحات دولية لتقليص صلاحيات رئيس سلطة رام الله محمود عباس، عقب تأجيل الانتخابات التشريعية، في ظل تصاعد أزمة الشرعية السياسية وتراجع الثقة بالقيادة الفلسطينية.
وقال المصري إن أطرافاً دولية ومانحين طرحوا أفكاراً تتعلق بتشكيل إطار موازٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل إعادة بناء مؤسساتها، إلى جانب المطالبة بتشكيل حكومة مفوضة يرأسها رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات كاملة، مقابل تحويل الرئيس إلى منصب فخري.
وأضاف المصري أن هذه المقترحات قد تكون إيجابية إذا جاءت بمبادرة فلسطينية مستقلة، لكنها تصبح خطيرة وتنزع عنها الصفة الوطنية إذا استندت إلى تدخلات خارجية أو استقواء بأطراف دولية لفرض تغييرات على النظام السياسي الفلسطيني.
أزمة شرعية تتفاقم بعد تأجيل الانتخابات
أوضح المصري أن الاهتمام بتأجيل الانتخابات وتداعياته يتركز بصورة أساسية بين النخب السياسية، في وقت ينشغل فيه الفلسطينيون داخل الأراضي الفلسطينية بأولويات الحياة اليومية، بما يشمل تأمين الغذاء والمسكن والعمل والرعاية الصحية والأمن، إلى جانب مواجهة الإبادة والضم والتهجير والاستيطان واعتداءات المستوطنين.
واستشهد باستطلاع أجراه مركز «أوراد»، أظهر أن 66% من الفلسطينيين في قطاع غزة و55% في الضفة الغربية لم يكونوا يعرفون موعد الانتخابات، معتبراً أن هذه النسب تعكس اتساع الفجوة بين النقاشات السياسية واهتمامات المواطنين المباشرة.
وحذر من أن فشل الحوار الوطني الفلسطيني المرتقب في القاهرة، إذا أعاد إنتاج الاتفاقات والمناقشات السابقة دون معالجة جذور الأزمة، قد يوجه ضربة إضافية إلى النظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته، ويفاقم تآكل الشرعية والمصداقية واتساع الهوة بين القيادات والشعب.
وأشار إلى أن استمرار الأزمة قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والتدخلات الخارجية، خصوصاً من الدول المانحة، بما يهدد بعودة أشكال الوصاية الخارجية وتوسيع تجربة «مجلس السلام» إلى الضفة الغربية.
ولفت المصري إلى أن بعض الأطراف الدولية، ومنها الاتحاد الأوروبي وفرنسا تحديداً، هددت بوقف المساعدات إذا لم تتم مراجعة قرارات تأجيل الانتخابات، داعياً إلى معالجة العقبات التي تضعها إسرائيل أمام إجراء انتخابات حرة.
خشية حركة فتح من خسارة الانتخابات
ربط المصري تأجيل الانتخابات، بصورة أساسية، بمخاوف قيادة سلطة رام الله وحركة فتح من خسارة الاستحقاق الانتخابي، قائلاً إن مؤشرات واستطلاعات عدة، بينها استطلاعات لم تُنشر، أظهرت أن حصة هذه القيادة قد تتراوح بين 24% من المقاعد في أفضل الأحوال وأقل من 10% في أسوأها.
واعتبر المصري أن هذه التقديرات تشير إلى احتمال حدوث تغيير حاسم في الخريطة السياسية الفلسطينية، بما يعكس التحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر 2023.
ورأى أن التطورات الحالية تمثل حلقة جديدة من محاولات إصلاح السلطة أو إعادة تشكيلها تحت عنوان «السلطة المتجددة»، وفي ظروف داخلية أكثر صعوبة، بالتزامن مع استمرار الإبادة والضم والاستيطان والفصل العنصري، والضربات التي تعرضت لها السلطة الفلسطينية وقوى المقاومة، الأمر الذي أضعف الأطراف الفلسطينية وخلق فراغاً سياسياً تسعى جهات مختلفة إلى ملئه.
وشدد على أن مواجهة هذه المخططات تتطلب نجاح الحوار الفلسطيني في القاهرة والتوصل إلى توافق وطني لا يقتصر على تحديد موعد جديد للانتخابات، بل يمتد إلى إعادة تعريف المشروع الوطني والاتفاق على برنامج سياسي قادر على مواجهة المخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية والأرض والشعب والحقوق، والحفاظ على وحدة التمثيل الوطني لمنظمة التحرير.
مستقبل السلطة بين التفكيك وفقدان الدور الوطني
حذر المصري من أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تواجه مساراً متزايداً من التقويض، مشيراً إلى أن مستقبلها قد يتراوح بين الحل والتفكيك وتحويلها إلى سلطات محلية، أو استمرارها في صورة كيان منزوع المحتوى السياسي والوطني، يؤدي وظيفة إدارة السكان تحت الاحتلال دون أفق واضح.
وطرح تساؤلات بشأن وظيفة الانتخابات في ظل هذه الظروف، قائلاً إن القضية لا تتعلق بمجرد اختيار من يدير المؤسسات القائمة، بل بتحديد ما إذا كانت الانتخابات ستكرس الانقسام وتحسن ظروف الفلسطينيين داخل واقع الاحتلال، أم ستشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ومواصلة النضال من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق حق تقرير المصير والاستقلال.
وأكد أن نجاح الحوار الوطني يتطلب توسيع المشاركة لتشمل النساء والشباب وممثلي اللاجئين والشتات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشخصيات المستقلة، إلى جانب تجاوز المحاصصة الفصائلية لصالح رؤية سياسية واستراتيجية وطنية مشتركة.
ودعا إلى تغليب الوحدة والتعددية والشراكة على المصالح الفصائلية، والاعتماد على الشعب الفلسطيني والقوى العربية والإسلامية والشعوب الداعمة للحرية والعدالة في العالم، معتبراً أن اتساع التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية يوفر فرصة يمكن البناء عليها.
وختم المصري بالتأكيد أن فرص نجاح الحوار لا تزال قائمة، رغم ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية ومأزقها العميق، مشيراً إلى أن الخطر الوجودي الذي يواجه الفلسطينيين يفرض تجاوز الخلافات، وإعادة بناء نظام سياسي قادر على توفير مقومات الصمود والبقاء، وإحباط محاولات تصفية القضية الفلسطينية.





