ملف أشرف دبور.. نموذج فاضح لغياب أسس القانون لدى سلطة رام الله

تكشف قضية السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور، من توقيفه على خلفية طلب استرداد فلسطيني إلى الإفراج عنه بشرط مغادرة لبنان، عن مسار غلبت عليه التفاهمات السياسية وغابت عنه الشفافية القانونية.
فبدل إعلان قرار قضائي معلّل يحسم طلب تسليمه، أو بيان رسمي يوضح مصير الملاحقة والاتهامات، انتهى الملف بتسوية غير منشورة التفاصيل، وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية.
وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول، أخلى القضاء اللبناني سبيل دبور على أن يغادر البلاد إلى بلغاريا، حيث تقيم ابنته.
وقالت صحيفة «المدن» اللبنانية إن التسوية شملت وقف الملاحقة والحملات الإعلامية المتبادلة بين فريق دبور والفريق الذي يمثله مازن محمود عباس، وإن مرجعية سياسية لبنانية أدارت الاتصالات.
فيما ذكرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية أن التسوية أوقفت ملاحقته في لبنان مقابل مغادرته إلى بلد ثالث، بدل صدور قرار معلن بشأن طلب تسليمه إلى رام الله. المدن، الأخبار.
طلب استرداد بلا حسم معلن
تتمثل المسألة الأساسية في أن السلطة الفلسطينية طلبت استرداد دبور على خلفية اتهامات مالية، بينها شبهات فساد مرتبطة بعمله السابق. لكن الاتهامات ليست حكمًا قضائيًا نهائيًا، ودبور ينفيها، فيما قالت عائلته ومحاموه إن الملاحقة ذات دوافع سياسية وطالبوا بمحاكمته في لبنان إذا توافرت أدلة على مخالفات ارتُكبت فيه.
ويبرز خبراء أن هذه روايات متنازعة كان يفترض أن تُعرض على القضاء، لا أن تبقى معلّقة بين اتهام وردّ عليه وتسوية لا تُعرف شروطها كاملة.
وبحسب التقارير، أوصت النيابة العامة التمييزية بتسليمه، وأُحيل الملف إلى الحكومة لاستكمال الإجراءات. غير أن التسوية انتهت إلى مغادرته لبنان إلى بلغاريا بدل تسليمه أو إعلان رفض التسليم. وتقول تقارير إن القوى الأمنية رافقته إلى المطار، فيما لم تُنشر وثيقة رسمية تشرح الأساس القانوني لوقف الملاحقة أو طبيعة القرار المتخذ بشأن طلب الاسترداد.
وتزيد الروايات المتضاربة حول وجود تسوية مالية من غموض القضية. فقد نفى مصدر قريب من دبور أن يتضمن الاتفاق أي تسوية مالية، بينما نشرت وسائل إعلام معلومات عن دفع مبلغ لمنظمة التحرير، من دون تأكيد رسمي لقيمته أو لطبيعة الاتفاق.
وبحسب الخبراء فإنه ما دام لا يوجد إعلان موثق من الأطراف المعنية، فلا يصح التعامل مع أي من الروايتين كحقيقة محسومة. لكن تضاربها نفسه يطرح سؤالًا عن سبب غياب بيان رسمي يوضح ما جرى.
السياسة تتقدم على المساءلة
لم تكن القضية شأنًا قانونيًا بحتًا؛ فقد دخلت عليها اتصالات سياسية لبنانية وفلسطينية. ونقلت «المدن» أن قيادات فتحاوية تحركت لاحتواء تداعيات الملف على الوضع الداخلي للحركة، وأن رسائل وُجهت إلى محمود عباس للتدخل.
كما تحدثت تقارير عن مواقف لنبيه بري ووليد جنبلاط دعمت البحث عن مخرج، وعن مخاوف من أن يشكل تسليم دبور سابقة تفتح الباب لطلبات مماثلة بحق فلسطينيين آخرين.
وتبرز هنا مفارقة واضحة: إذا كانت الاتهامات جدية، فالمطلوب تحقيق معلن ومحاكمة عادلة تتيح للدفاع الرد عليها، لا إنهاء القضية بترتيب مغادرة. وإذا كانت الملاحقة تفتقر إلى أساس قانوني أو شابتها دوافع سياسية، فالمطلوب إعلان ذلك بأسباب واضحة، لا ترك الملف رهينة تسوية مبهمة. في الحالتين، لا تخدم السرية ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم ولا تبدد الشكوك في استقلال القضاء.
ولأشرف دبور، وفق ما تذكره التقارير، حيثية تنظيمية وعلاقات واسعة داخل حركة فتح والمخيمات الفلسطينية في لبنان، تراكمت خلال سنوات عمله سفيرًا. وقد تكون هذه الاعتبارات قد أسهمت في الدفع نحو احتواء الأزمة، لكنها لا ينبغي أن تحل محل القانون أو تحدد من يُلاحق ومن يُعفى من المحاكمة.
قضية تكشف أزمة مؤسسية
أصدر رئيس سلطة رام الله محمود عباس في الخامس من يوليو/ تموز 2025 قراراً بإلغاء تكليف دبور وإعفائه من مهامه نائباً لمشرف عام الساحة الفلسطينية في لبنان، وذلك في إطار تغييرات تنظيمية وأمنية داخل حركة فتح على الساحة اللبنانية، ليلاحَق بعد ذلك على خلفية تهم بارتكابه جرائم مالية.
وفي عام 2025، انتشرت أخبار عن تورط دبور في بيع عقارات في لبنان مملوكة لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وهو ما فجّر الخلاف بين الطرفين.
وتحدث دبور حينها، في بيان، عما وصفه بـ”صفقة مريبة” لبيع مبنى المنظمة والعقار المحيط به في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت، مشيراً إلى أن أحد أعضاء “لجنة الشرعية الفلسطينية” المكلفة بحصر الأملاك عرض عليه مبلغ 500 ألف دولار “عربون تقدير” من أصل ثمن المبنى المقدّر بملايين الدولارات.
ووصف دبور هذا المبلغ بأنه ليس سوى “شريط لاصق” على الفم لإسكاته عن تفاصيل عملية البيع التي تمت بعيداً عن الرقابة المالية والشفافية القانونية، متسائلاً عن مصير الأموال المقبوضة، وهل أودعت في الخزانة العامة أم في “حسابات خاصة”.
في هذه الأثناء لا تثبت التسوية وحدها براءة دبور، كما لا تثبت الاتهامات وحدها إدانته. لكنها تكشف أن طلبًا رسميًا للملاحقة والاسترداد انتهى، وفق التقارير المنشورة، من دون حسم قضائي معلن ومفصل. وهذا هو موضع الانتقاد الموجه إلى سلطة رام الله: أنها لم تقدم للجمهور مسارًا شفافًا يثبت أن الملف يُدار وفق قواعد عامة، لا باعتباره ورقة في صراع داخلي.
عندما تغيب الوثائق والتفسيرات الرسمية، تتسع مساحة الشك في أن القانون استُخدم للضغط ثم جرى تجاوزه بتفاهم سياسي. ولن تُستعاد الثقة بمجرد إغلاق الملف أو إسكات الحملات الإعلامية؛ بل بإعلان أساس الاتهامات، ومآل التحقيق، وطبيعة التسوية، والجهة التي قررت وقف الملاحقة. وحتى يحدث ذلك، سيظل ملف دبور شاهدًا على أزمة مساءلة تتجاوز شخصه إلى طريقة إدارة السلطة الفلسطينية لملفاتها الحساسة.





