تحليلات واراء

مخاطر الاعتراف الإسرائيلي بحكومة أرض الصومال: تفكيك الإقليم وإعادة رسم خرائط النفوذ

أقدمت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو على الاعتراف بحكومة “أرض الصومال”، في خطوة كسرت الجمود الذي لازم هذا الكيان الانفصالي منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991، وأعادت فتح ملف حساس في القرن الأفريقي تتقاطع فيه حسابات الأمن الإقليمي، والصراع الدولي على الممرات البحرية، وتداعيات الحرب على غزة.

وبحسب مراقبين لا يمكن فصل توقيت الاعتراف عن السياق السياسي الذي يتحرك فيه نتنياهو. فالخطوة جاءت في ذروة حرب غزة، ومع تصاعد الضغوط الدولية على تل أبيب.

ويجعل ذلك من الاعتراف أداة سياسية متعددة الوظائف: ورقة مساومة مع الولايات المتحدة، ورسالة نفوذ في البحر الأحمر، ومحاولة لاستخدام ملف “أرض الصومال” ضمن مقايضات أوسع قد تتعلق بتهجير سكان غزة أو بترتيبات ما بعد العدوان.

أرض الصومال ويكيبيديا

وتتمتع “أرض الصومال” بموقع جيوسياسي بالغ الحساسية. فهي تطل مباشرة على خليج عدن، وتملك شريطاً ساحلياً يمتد نحو 460 ميلاً، بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والتجارة العالمية.

وهذا الموقع جعلها، منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عام 2023، ساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية تبحث عن موطئ قدم عسكري وأمني في مواجهة التحولات المتسارعة في البحر الأحمر.

وقد ازدادت أهمية هذا الموقع مع تصاعد هجمات جماعة الحوثي على السفن الأميركية والإسرائيلية، ومع الضربات الصاروخية التي استهدفت موانئ إسرائيلية وأربكت حركة الملاحة والتجارة.

في هذا السياق، برز ميناء بربرة بوصفه بديلاً محتملاً ومركز جذب للنفوذ الأميركي والإسرائيلي، سواء لأغراض لوجستية أو عسكرية أو استخباراتية، وهو ما يفسر الحماس الإسرائيلي للاعتراف بحكومة هرجيسا.

مخاطر وجودية على الصومال

من منظور الصومال، يحمل الاعتراف الإسرائيلي مخاطر وجودية تتجاوز البعد الرمزي. أول هذه المخاطر يتمثل في تشجيع النزعات الانفصالية داخل الكيانات الفيدرالية الصومالية الأخرى.

فإضفاء شرعية دولية على “أرض الصومال” قد يدفع أقاليم أخرى إلى المطالبة بالانفصال، ما يفتح الباب أمام تفكيك الدولة الصومالية إلى كيانات صغيرة متناحرة، ويعيد إنتاج سيناريو “البلقنة” في القرن الأفريقي، بكل ما يحمله من صراعات حدودية وحروب داخلية.

ويتعلق الخطر الثاني بالاستقرار الداخلي في “أرض الصومال” نفسها. فالاعتراف الإسرائيلي لا يحظى بإجماع شعبي أو عشائري أو ديني، بل يثير رفضاً واسعاً في أوساط اجتماعية ترى في التطبيع مع إسرائيل خيانة للقضية الفلسطينية وتهديداً لهوية المجتمع.

وقد ظهرت مؤشرات هذا الرفض سريعاً عبر اعتقال علماء دين ووعّاظ في هرجيسا عبّروا علناً عن معارضتهم لهذا المسار، ما ينذر بصدامات داخلية قد تتخذ طابعاً دينياً أو عشائرياً يصعب احتواؤه.

أما الخطر الثالث فيتعلق بالبعد الإقليمي. فالخطوة الإسرائيلية قد تشجع دولاً مجاورة، مثل إثيوبيا أو كينيا، على تبني مواقف مشابهة والاعتراف بحكومة هرجيسا، إما بدافع المصالح الاقتصادية أو في إطار اصطفافات سياسية جديدة.

ومثل هذا التطور من شأنه أن يفجر أزمة دبلوماسية حادة في المنطقة، ويقوض العلاقات بين الصومال وجواره الإقليمي، ويحول القرن الأفريقي إلى ساحة صراع مفتوح على الشرعية والسيادة.

في هذا الإطار، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي خطوة معزولة أو طارئة، بل يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة هندسة المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

فمن شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، تسعى تل أبيب إلى تطويق خصومها، وتأمين خطوط الملاحة، وبناء شبكات نفوذ عسكري وأمني في مناطق هشة سياسياً وقابلة للاختراق.

الأخطر في هذا المسار أن الاعتراف قد يفتح الباب أمام إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية أو نقاط استخباراتية في “أرض الصومال”، تحت عناوين التعاون الأمني أو حماية الملاحة.

ويشكل مثل هذا السيناريو تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، خصوصاً لدول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويمنح دولة الاحتلال قدرة إضافية على التحكم في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى