تحليلات واراء

نموذج جديد صارخ على فساد السلطة الفلسطينية

في نموذج صارخ على الانحراف المؤسسي داخل السلطة الفلسطينية، أقدمت أجهزة الأمن على اعتقال المواطن نور الدين ارزيقات بعد أن قدم بلاغًا عن فساد داخل بلدية تفوح بمحافظة الخليل.

وتؤكد الحادثة ما يراه محللون سياسيون استمرار نهج السلطة في إسكات المبلغين عن الفساد بدل محاسبة المسؤولين عن السرقات والشبهات المالية.

وأفادت مصادر عائلية بأن ارزيقات أدلى بشهادته في ملفات فساد تتعلق ببلدية تفوح، ورفع شكاوى لدى هيئة مكافحة الفساد والنائب العام، تشمل ملفات وسرقات تتجاوز قيمتها المليون شيقل.

وبدلاً من اتخاذ إجراءات ضد الفاسدين، داهمت أجهزة السلطة منزل المبلغ، وتكسير محتوياته، وشن حملة اعتقالات على أفراد عائلته، في خطوة ترسخ ثقافة الخوف والسكوت التي تعمل السلطة على تثبيتها بين المواطنين.

وهذه الواقعة ليست منعزلة، بل تأتي في سياق سلسلة طويلة من الفضائح التي تكشف فساد المؤسسات الرسمية، وبالأخص قيادات حركة فتح داخل الوزارات والبلديات.

ففي وزارة التربية والتعليم، كشف الناشط ضد الفساد فايز سويطي أن قيادات من فتح تدخلت بشكل مباشر في تعيين معلمين وتوزيع درجات الامتحانات، حيث أُعطي خمسة معلمين درجات مرتفعة بشكل مصطنع، بينما حُرم بقية المتنافسين من درجاتهم الحقيقية.

كما كشف عن ترقية عشرة معلمين بموجب توصيات إقليمية لحركة فتح، مع تسليمهم شهادات الترقية شخصيًا من وزير التربية، في سابقة تؤكد أن المنصب والمال يجتمعان لتكريس المحسوبية والرشوة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

لا يقتصر الفساد في السلطة الفلسطينية على التربية والتعليم، بل يمتد إلى الوزارات والهيئات الكبرى، بما فيها وزارة المواصلات، حيث أُشير مؤخرًا إلى تورط وزير المواصلات طارق زعرب في تلقي رشاوى بملايين الدولارات.

كما يلاحظ الباحثون السياسيون أن أي حديث رسمي عن محاربة الفساد يتحول إلى مسلسل هزلي بلا نتائج حقيقية، إذ تمر الفضائح مرور الكرام، ويستمر المسؤولون الفاسدون في حياتهم اليومية دون محاسبة، بل ويتمتع بعضهم بحرية السفر والعبور كما لو لم يرتكبوا أي مخالفة.

ويصف الكاتب والمحلل السياسي معمر يوسف العويوي الوضع بأنه مسرحية مكشوفة: على الورق توجد هيئة لمكافحة الفساد ومحكمة متخصصة، لكن الواقع يكشف عن استشراء الفساد المالي والإداري على جميع المستويات.

ويشير العويوي إلى أن هذه المؤسسات الرسمية لم تؤدِّ وظيفتها الحقيقية، إذ تُسكت أي محاولة لمحاسبة الفاسدين، وتظل السلطة حامية لهم بدلاً من حماية المبلغين والمواطنين.

ويشير مراقبون إلى أن حركة فتح تستثمر الفساد كأداة للحفاظ على الهيمنة: فالانقسامات الداخلية، والمحاباة العائلية والولاءات الحزبية، والرشاوى، كلها أدوات لضمان استمرار سيطرة فريق محدد على مفاصل السلطة، ومنع أي تغيير جوهري أو محاسبة جدية.

وكل من يحاول كسر هذا النمط، مثل نور الدين ارزيقات، يجد نفسه مهددًا بالاعتقال أو الإقصاء، في إشارة واضحة إلى أن السلطة لا تملك أي نية حقيقية لإصلاح مؤسساتها.

وتتزامن أحداث بلدية تفوح مع فضائح مماثلة في بلديات ومديريات مختلفة، ما يعكس أن الفساد أصبح متجذرًا ومنهجيًا. وقد بات المواطن الفلسطيني يعرف أن أي تحرك للإبلاغ عن اختلاس أو رشوة لن يؤدي إلا إلى ملاحقة المبلغين بدل الفاسدين، وهذا ما يضع السلطة أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه كسر هذه الحلقة المفرغة.

من جانب آخر، تؤكد هذه الحوادث أن السلطة الفلسطينية تعمل على ترسيخ منطق الإفلات من العقاب، بحيث تتحول الفساد المالي والإداري إلى جزء من بنية الحكم نفسها.

ويضيف المراقبون أن المواطن الفلسطيني اليوم يعيش في بيئة لا تشجع على النزاهة، لأن أي محاولة للإبلاغ عن المخالفات قد تكلفه الحرية أو الأمن الشخصي، فيما يبقى الفاسدون يصولون ويجولون دون محاسبة.

وبالمجمل فإن ما يحدث في بلدية تفوح ليس مجرد حادث فردي، بل نموذج مصغر للفساد المستشري داخل السلطة الفلسطينية. الاعتقال الانتقائي للمبلغين عن الفساد، تلاعب فتح بالمناصب والترقيات، تلقي الرشاوى بملايين الدولارات، كلها مؤشرات على أن السلطة الفلسطينية لا تسعى للإصلاح، بل تسعى للحفاظ على مصالح قلة مختارة على حساب الشعب.

ويدرك المواطن الفلسطيني اليوم أن طريق العدالة الحقيقي مقفل، وأن أي خطوات إصلاحية تظل رهينة الإرادة السياسية لفريق حاكم لا يرى في النزاهة أولوية، بل وسيلة للبقاء في السلطة والسيطرة على الموارد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى