المقاومة إرهاب.. تطابق غير مسبوق بين إعلامي السلطة والاحتلال

يتسجم خطاب الإعلام الرسمي الفلسطيني والأصوات المحسوبة على السلطة بشكل لافت مع الخطاب الإسرائيلي بشأن المقاومة بما يشي بوجود تطابق غير مسبوق في طريقة تصوير حركات المقاومة على أنها “إرهاب”، بغض النظر عن سياق أعمالها الدفاعية أو العمليات ضد الاحتلال.
ويطرح هذا التحوّل في الخطاب الإعلامي والسياسي أسئلة حادة حول دور السلطة في حماية المصالح الفلسطينية ومصداقيتها لدى جمهورها الداخلي.
وسلط الكاتب السياسي معتصم حمادة الضوء على هذا الانزلاق في مقال له، مشيراً إلى تصاعد الأصوات الرسمية والإعلامية التي تحمل المقاومة مسؤولية ما يتعرض له الفلسطينيون من جرائم إسرائيلية، من قتل واعتقال جماعي وتجريف للأراضي وتوسع استيطاني.
ووفقاً لحمادة، فإن هذه الأصوات لا تكتفي بالانتقاد، بل تتماهى مع الرواية الإسرائيلية، فتصوير المقاومة على أنها سبب الأضرار أو الخطر على الفلسطينيين يشبه إلى حد كبير الخطاب الذي تبناه الإعلام الإسرائيلي لتبرير الاعتداءات والعمليات العسكرية.
وتمثل هذه الممارسة حالة مقلقة من الانحياز السياسي الإعلامي، إذ يظهر محللون مقربون من السلطة عبر الفضائيات وهم يدافعون عن سيناريوهات تدعو إلى نزع سلاح المقاومة ومنعها من أي دور سياسي في غزة، مع التحذير من انتقال أنشطتها إلى الضفة الغربية، مستخدمين خطاباً يبدو وكأنه يبرر عمليات الاحتلال.
وتتجهل هذه المواقف، بحسب حمادة، الواقع على الأرض، حيث الاحتلال هو المسؤول المباشر عن الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وليس المقاومة التي تدافع عن المدنيين وأراضيهم.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يضع الفشل المتكرر للسياسات التي تسعى للحد من قوة المقاومة، خصوصاً بعد استمرار صمودها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، الإعلام الرسمي للسلطة في موقف محرج أمام الشارع الفلسطيني.
إذ أن استمرار مهاجمة المقاومة يفقد السلطة ومؤسساتها الإعلامية مصداقيتها، ويزيد الشعور بأن هناك محاولة لتصدير فشل السياسات الداخلية على حساب المقاومة، بدل مواجهة الاحتلال بصورة مباشرة.
ويوضح حمادة أن ما يحدث ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر حول دور المقاومة، بل هو محاولات ممنهجة لتشكيل رأي عام فلسطيني يرفض المقاومة المسلحة ويعتبرها عائقاً أمام “السلام” أو “إعادة الإعمار”، وهو السرد نفسه الذي يسوّقه الإعلام الإسرائيلي منذ سنوات طويلة.
ويكرس هذا التطابق الإعلامي بين السلطة والاحتلال صورة مشوهة عن المقاومة ويعطي دولة الاحتلال مبرراً لتبرير استمرار جرائمها وانتهاكاتها ضد الفلسطينيين.
من ناحية أخرى، تعكس هذه الممارسة أزمة استراتيجية أوسع لدى السلطة، حيث يبدو أن هناك تشتتاً بين الرغبة في التفاوض مع دولة الاحتلال وبين الحاجة إلى حماية المصالح الوطنية والشعبية الفلسطينية.
كما أن الاعتماد على خطاب ينحو إلى تقويض المقاومة بدلاً من مواجهة الاحتلال مباشرة يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع جمهورها، ويزيد من فجوة الثقة بين القيادات الفلسطينية والشعب، خصوصاً في ظل استمرار الاستيطان والهجمات العسكرية المستمرة.
والأمر الأبرز في هذا السياق هو أن السلطة وإعلامها، من خلال تبني خطاب الاحتلال، يساهمان في إعادة إنتاج سردية تقول إن أي رد مقاوم على الاحتلال هو “إرهاب”، بينما تتجاهل أو تقلل من حجم الاعتداءات المباشرة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ومستوطنيه.
ويجعل هذا التوجه أي نقاش جدي حول الأمن والحماية للشعب الفلسطيني مشوهًا، ويحوّل الإعلام إلى أداة سياسية تعمل بشكل غير مباشر لصالح الاحتلال.
ويشدد حمادة على أن استمرار هذه الممارسات الإعلامية والسياسية يطرح تحدياً كبيراً للسلطة الفلسطينية أمام جمهورها ويمس مصداقيتها الوطنية.
فبينما تبقى المقاومة مستمرة في الدفاع عن الفلسطينيين وأراضيهم، يظل الإعلام الرسمي منغمساً في خطاب التحريض على المقاومة ووصمها بالإرهاب، في تطابق واضح مع الإعلام الإسرائيلي.
والسؤال المحوري الذي يطرحه المراقبون هو إذا كانت السلطة مشغولة بمخاصمة المقاومة داخلياً، فكيف ستتمكن من حماية الفلسطينيين فعلياً في الضفة الغربية وصد الاعتداءات الإسرائيلية، وضمان حقوقهم الوطنية؟.
ويفتح هذا السؤال الباب أمام ضرورة إعادة النظر في دور الإعلام الرسمي وصوته الوطني، بعيداً عن محاكاة خطاب الاحتلال، لضمان تمثيل حقيقي لمصالح الشعب الفلسطيني.





