تحليلات واراء

رسائل العيد.. هاشم العامر في وصلة مديح للملك الأردني لتلميع صورته

فضح المدعو هاشم العامر العضو في شبكة أفيخاي الإسرائيلية، طبيعة الخطاب الدعائي الذي يتبناه بوصفه أداة مخابراتية أردنية، عبر رسالة مديح سياسي للملك عبدالله الثاني بن الحسين، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لدور الأردن الإقليمي وعلاقته الوثيقة بالولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

وكشف نص العامر على وسائل التواصل الاجتماعي، انحيازًا واضحًا منذ سطوره الأولى، حيث ينطلق من صورة شخصية للملك عبد الله الثاني، متوقفًا عند ملامح التقدم في العمر، ليبني عليها سردية عاطفية تحاول إضفاء طابع إنساني على الحكم، متجاهلًا عمداً طبيعة السلطة السياسية ومسؤولياتها تجاه قضايا مصيرية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

وتعمد العامر تصوير الملك بوصفه ضحية للضغوط الإقليمية، مستعرضًا سلسلة من الأزمات التي مرت بها المنطقة منذ توليه الحكم، من الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلى غزو العراق، وصولًا إلى الحرب في سوريا، في محاولة لإعادة صياغة هذه الأحداث كعبء شخصي على الحاكم، بدلًا من تقييم مواقفه السياسية منها.

وتجاهل هذا الطرح بشكل لافت حقيقة أن الأردن لعب أدوارًا محورية ضمن منظومة التحالفات الإقليمية، خاصة في التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وتل أبيب، وهو ما يغيب تمامًا عن خطاب العامر الذي يحرص على تقديم صورة منقوصة للواقع.

من هو هاشم العامر؟

تعمد العامر تغييب أي إشارة إلى طبيعة العلاقة الأمنية الوثيقة بين عمان وتل أبيب، بما في ذلك التنسيق المستمر الذي يجعل من الأردن خط دفاع متقدم عن المصالح الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يتناقض مع الصورة التي يحاول رسمها عن “الصمود” و”تحمل الأعباء”.

كما تجاهل مسار التطبيع العميق الذي اتخذته العلاقات الأردنية مع دولة الاحتلال في المجالات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، دون ردود فعل تتناسب مع حجم هذه التحديات.

وغاب عن رسالة العامر أي ذكر لمدينة القدس المحتلة، رغم مكانتها المركزية في الوصاية الأردنية، في وقت تشهد فيه المدينة تسارعًا غير مسبوق في سياسات التهويد والاستيطان، ما يعكس انتقائية واضحة في الطرح، تتجنب القضايا الأكثر حساسية وإحراجًا للنظام.

في الوقت نفسه حاول العامر تبرير غياب أي دور عسكري أو سياسي فاعل للأردن في القضايا الإقليمية عبر التقليل من قدراته، مستخدمًا مقارنة غير واقعية مع قوى كبرى، في حين تجاهل أن النقد الشعبي لم يكن موجّهًا نحو خوض حروب شاملة، بل نحو اتخاذ مواقف سياسية أكثر استقلالية وانسجامًا مع المزاج الشعبي.

وأعاد العامر توظيف ملف اللاجئين كأحد أبرز عناصر المديح، مشيرًا إلى استقبال الأردن لموجات من النازحين، دون التطرق إلى أن هذا الدور ارتبط أيضًا باعتبارات سياسية ودعم دولي، وأنه لم يكن منفصلًا عن حسابات النظام ومصالحه.

التطبيع الأردني الإسرائيلي

في رسالته الدعائية تجاهل العامر الأزمات الداخلية المتراكمة، من تحديات اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، إلى القيود على الحريات السياسية، وهي قضايا تشكل جزءًا أساسيًا من تقييم أي نظام حكم، لكنها تغيب تمامًا لصالح خطاب عاطفي يركّز على “الصمود” و”التحمل”.

وكشف أسلوب العامر عن محاولة ممنهجة لإعادة إنتاج صورة الحاكم كرمز فوق النقد، عبر تحميله أعباءً تاريخية وجيوسياسية، وتقديمه كدرع يحمي البلاد من الانهيار، وهو خطاب يتكرر في العديد من الأنظمة التي تواجه أزمات شرعية داخلية.

ويتناقض هذا الخطاب مع الواقع الذي يشير إلى أن الاستقرار النسبي في الأردن لم يكن نتاج سياسات مستقلة بقدر ما كان نتيجة لارتباطات إقليمية ودولية، جعلت من البلاد جزءًا من منظومة أمنية أوسع تخدم مصالح خارجية بقدر ما تحافظ على توازنات داخلية.

وعليه يتجاوز العامر في رسالته حدود التهنئة إلى ما يشبه التزكية السياسية، مستخدمًا عبارات تمجيد مباشرة مثل “سار على الجمر” و”تحمل ما لا يتحمله آلاف الرجال”، وهي صياغات تعكس خطابًا دعائيًا أكثر من كونها تحليلًا موضوعيًا.

ويفضح هذا النمط من الكتابة وظيفة الخطاب الإعلامي المرتبط بشبكة أفيخاي وماكنية الدعاية الإسرائيلية، والذي يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العام عبر التركيز على السرديات العاطفية، وتهميش القضايا الجوهرية المرتبطة بالسيادة والقرار السياسي.

وتأتي هذه الرسالة في توقيت حساس، حيث تتصاعد التوترات الإقليمية وتتزايد التساؤلات حول دور الأردن في هذه التحولات، ما يجعل من محاولات التلميع هذه جزءًا من معركة أوسع على الرواية، بين خطاب رسمي يسعى إلى تثبيت صورة الاستقرار، وواقع إقليمي معقد يكشف حدود هذا الخطاب.

ويطرح هذا التباين سؤالًا جوهريًا حول جدوى مثل هذه الرسائل في ظل وعي متزايد لدى الشارع العربي، الذي بات أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الدعائي والوقائع على الأرض، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل فلسطين والعلاقات مع دولة الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى