فساد فتح.. تصفية أملاك منظمة التحرير في لبنان بدون رقابة أو مساءلة

تواصل قيادة حركة فتح خطواتها باتجاه تصفية أملاك منظمة التحرير في لبنان بدون رقابة أو مساءلة في انعكاس أخر لحدة الصراعات داخل الحركة وأقطابها المختلفة والاستفراد الكامل من محمود عباس وفريقه في حيثيات القرار.
وأبرزت قناة الحرة الأمريكية في تقرير لها، أن منظمة التحرير لم تكن في سبعينيات القرن الماضي، تشتري السلاح فقط، بل العقارات أيضاً، بما في ذلك مبانٍ ومكاتب في بيروت، أراض في البقاع والجبل والشمال والجنوب، مقار للمؤسسات والفصائل ومساكن للكوادر.
وذكرت القناة أن الأملاك كانت جزءا من حضور سياسي وعسكري ومالي جعل من لبنان مركزاً أساسياً لقرار منظمة التحرير وحركة فتح.
ثم خرج رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات ومقاتلوه من بيروت عام 1982، وتعاقبت القيادات والإدارات، وبقيت العقارات. بعضها بيع، وبعضها انتقل إلى ورثة، وبعضها لا يزال مأهولا، فيما ضاعت وثائق وتداخلت أسماء المالكين القانونيين مع المالك الفعلي.
وبقي السؤال: أين أصبحت أملاك منظمة التحرير في لبنان؟
وقد أعاد توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور طرح السؤال، بعدما تحولت قضيته من اتهامات بالفساد والاختلاس إلى مواجهة علنية عن العقارات وأموال المنظمة، وفتحت ملفاً بقي بعيداً عن التدقيق لعقود.
ملف السفير أشرف دبور
أصدر القضاء اللبناني مذكرة توقيف بحق دبور، قبل أسابيع بعد استجوابه على خلفية ملاحقات قضائية فلسطينية تتهمه بقضايا فساد واختلاس أموال خلال توليه منصبه سفيراً في بيروت بين عامي 2012 و2025.
وكان الأمن العام اللبناني أوقفه في أبريل في مطار بيروت بناء على مذكرة صادرة بحقه، قبل الإفراج عنه بسند إقامة ومنعه من السفر. وبعد توقيفه مجدداً، أحال القضاء ملفه إلى مجلس الوزراء وطلب من السلطة الفلسطينية إرسال الملف القضائي تمهيداً للنظر في تسليمه.
وكان الخلاف بين دبور والسلطة الفلسطينية خرج إلى العلن قبل ذلك بأشهر. ففي نوفمبر 2025، تحدث دبور عبر صفحته على “فيسبوك” عن مبنى منظمة التحرير والأرض المحيطة به بكورنيش المزرعة في بيروت.
وقال دبور إنه اعترض على بيعهما، معتبراً أن السعر كان أدنى بكثير من القيمة التي حددتها لجنة تقييم عقارية، وإنه أبلغ الرئيس محمود عباس بتحفظاته.
ثم صعّد اتهاماته في الشهر التالي، مدعياً أن أحد أعضاء اللجنة المكلفة بالبيع عرض عليه 500 ألف دولار “عربون تقدير”، اعتبره محاولة لإسكاته، وتساءل عن ثمن الصفقة ومصير أموالها.
ونفت منظمة التحرير اتهاماته، وقال مصدر مسؤول بها إن دبور نفسه يخضع لتحقيق في ملفات مالية وعقارية، من بينها شراء عقارات بأسعار تختلف عن قيمتها الفعلية وسحب أموال من حسابات السفارة، وهي اتهامات ينفيها دبور.
دور ياسر عباس في تصفية أملاك منظمة التحرير
ومع تصاعد المواجهة، اتهم دبور في أبريل ياسر عباس، نجل محمود عباس، باستغلال نفوذه لتصفية حسابات شخصية معه وتسخير الأجهزة الأمنية لملاحقته، وإصدار قرارات “فصل كيدية بحق المناضلين والمناضلات من الساحة اللبنانية”.
وهكذا أصبح العقار في قلب معركة فساد يتهم فيها كل طرف الآخر، من دون أن تجيب المواجهة عن السؤال الأهم: ماذا تملك منظمة التحرير فعلياً في لبنان؟
وترى الباحثة في الدراسات الحضرية ربى وهبة أن فهم ما جرى لهذه الأملاك يتطلب العودة إلى سبب نشأتها، “فالمنظمة، بعد انتقالها إلى لبنان عام 1971، لم تتعامل مع العقار كمستثمر تقليدي، بل كحركة تحرر تحتاج إلى مكاتب ومستشفيات ومؤسسات ومقار للفصائل ومساكن لآلاف الكوادر. وبدأت باستئجار العقارات قبل أن تتوسع في الشراء مع اتساع وجودها وتوافر التمويل”.
وشملت الأملاك عقارات خدمية للمؤسسات، وأراضي حول المخيمات لتوسعتها، إضافة إلى عقارات استثمارية توفر دخلاً للمنظمة.
لكن المشكلة التي تطارد تلك الأملاك اليوم بدأت منذ لحظة تسجيلها. وتوضح وهبة أن “المنظمة لم تكن قادرة على تسجيل العقارات إلا بصفتها الدبلوماسية، ضمن حدود معينة للملكية، أو من خلال الجمعيات والمؤسسات التابعة لها، التي كانت تخضع بدورها للقيود المفروضة على ملكية الجهات الأجنبية. وفي المقابل، كانت حاجتها إلى العقارات تتجاوز ما يسمح به هذا الإطار القانوني”.
وتضيف: “لهذا السبب، سجّل عدد من العقارات بأسماء مالكين لبنانيين صوريين، مع مستندات يُفترض أن تثبت أن المنظمة هي المالك الفعلي”.
ومع خروج قيادة المنظمة من لبنان، وغياب إدارة عقارية مركزية، بات إثبات هذه الملكيات أمرا صعبا.
وترى وهبة أن جذور الفساد لا تبدأ ببيع العقارات، بل “بالغموض الذي أحاط بملكيتها منذ البداية. فغياب السجل الموحد، وضياع الوثائق، واحتفاظ بعض الأفراد بالأرشيف، جعل الوثيقة نفسها وسيلة ضغط، وخلق بيئة سمحت بالنزاعات والتلاعب مع مرور الزمن، حتى من دون وجود قرار مسبق بالفساد”.
ويشير مصدر مسؤول في منظمة التحرير، إلى وجود لجنة قانونية تعمل على تتبع العقارات واستعادة حقوق المنظمة، ومحاولة تسجيل ما يمكن إثبات ملكيته باسم السفارة الفلسطينية، لافتاً إلى أن الملف بيد ياسر عباس.
ويقر المصدر بأن بعض العقارات “بيعت خلال السنوات الماضية في ظروف معقدة، وأن بعض الملكيات شهدت عمليات بيع متكررة خلال فترات قصيرة، ما جعل الوصول إلى أصل الملكية أكثر صعوبة”.
وتوضح وهبة أن هذه الفوضى ظهرت بوضوح في حالات أبنية وعقارات في الطريق الجديدة، إذ بقيت مسجلة باسم مالكين لبنانيين رغم انتقالها فعلياً إلى المنظمة، ما أنتج في بعض الحالات نزاعات بين المالك المسجل والمالك الفعلي.
وتشدد في الوقت نفسه على أن كثيراً من الأرقام المتداولة عن حجم أملاك المنظمة يفتقر إلى أساس علمي، إذ توصل بحثها، بعد سنوات من العمل الميداني ومراجعة السجلات العقارية، إلى التحقق من نحو 70 عقاراً فقط، بينها 22 حالة تأكدت منها ميدانياً، من دون أن يشكل ذلك إحصاءً شاملاً.
وتظهر إحدى أبرز عمليات التصرف بالعقارات حجم الأموال التي يمكن أن ينطوي عليها الملف. فبحسب وهبة، “جرى بيع مقر المنظمة وأراض محيطة به في كورنيش المزرعة ضمن عملية تصفية أسهمت في إنشاء السفارة الفلسطينية الحالية، وتقدر قيمة العملية بحسب أسعار السوق بنحو 9 إلى 13 مليون دولار”.
وهي الصفقة نفسها التي وضعها دبور في دائرة الجدل، بعدما تحدّث عن ظروف البيع ومصير الأموال الناتجة عنه.
وقد عبرت مصادر فلسطينية، عن خشيتها أن يتحول دبور إلى “كبش فداء” لملف عمره عقود، وأن تُختزل في شخصه مسؤولية مخالفات أو تجاوزات مالية محتملة.
وفي المقابل تطرح، بحسب هذه المصادر، مظاهر الثراء التي تحيط بعدد من مسؤولي المنظمة تساؤلات أوسع بشأن مصادر الأموال ومصيرها، وبشأن مسؤوليات لا يمكن حصرها بشخص واحد.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي طوني بولس، أن “الفساد الفلسطيني تشابك على مدى سنوات مع الفساد اللبناني، في ظل تركيبة سياسية وأمنية وفّرت الحماية لمصالح اقتصادية وشبكات نفوذ”.
ويقول بولس إن أي مراجعة جدية لا يمكن أن تتوقف عند شخص واحد، بل يفترض أن تطال شبكة المصالح والجهات التي استفادت منها، أو وفّرت لها الغطاء.





