تحليلات واراء

قادة فتح وسجل طويل من فضائح التقلّب السياسي.. المنصب والنفوذ مقابل الصمت

يكشف سلوك عدد من قيادات حركة فتح عن نمط سياسي يثير أسئلة متكررة حول حقيقة المواقف التي تُرفع في مواجهة تفرد واستبداد رئيس سلطة رام الله والحركة محمود عباس، ومدى ارتباطها بالموقع والنفوذ أكثر من ارتباطها بمبادئ سياسية ثابتة.

وتبرز في هذا السياق العضوان في اللجنة المركزية لحركة فتح مواقف جبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي، بوصفها نماذج لتحولات سياسية أثارت ضجيجاً واسعاً ثم انتهت إلى الصمت أو التراجع دون تقديم تفسيرات واضحة للرأي العام.

فقد رفع جبريل الرجوب مؤخرا سقف انتقاداته لعباس، واتخذ مواقف بدت وكأنها اعتراض سياسي جدي على طريقة إدارة الحركة والسلطة، وبادر إلى مقاطعة اجتماعات اللجنة المركزية المنتخبة حديثا، في مشهد أوحى فضح الخلاف العميق والمستمر داخل القيادة الفتحاوية.

إلا أن المشهد سرعان ما تغيّر بإعلان انتخاب الرجوب ب”الإجماع” في منصب أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، ليعود إلى حضور اجتماعات اللجنة المركزية، ويعلن إنهاء اعتراضه، من دون أن يقدم للرأي العام تفسيراً واضحاً بشأن أسباب المقاطعة السابقة أو العوامل التي دفعت إلى إنهائها.

وبذلك تحوّل السؤال من مضمون الخلاف إلى مصير المواقف نفسها: هل كانت تعبيراً عن قناعة سياسية ثابتة، أم جزءاً من صراع داخلي على الموقع والنفوذ؟

حركة فتح ويكيبيديا

من جهته سار توفيق الطيراوي في مسار مختلف، لكنه حمل المعضلة ذاتها، حيث لوّح في مراحل سابقة بكشف ملفات فساد، ورفع سقف الحديث عن وجود قضايا تستحق الكشف والمحاسبة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى انتظار ما سيكشفه، قبل أن تتراجع حدة الخطاب ويغيب التصعيد، من دون أن تتحول التهديدات السابقة إلى كشف كامل للرأي العام أو إلى مسار سياسي ومؤسسي واضح.

ومع تجديد انتخابه عضوا في اللجنة المركزية والحديث عن تحالف ناشئ بينه وبين حسين الشيخ، التزم الطيراوي الصمت مجددا وغاب أي حديث عن ملفات الفساد وكأنه لم يكن.

وتطرح هذه الوقائع سؤالاً أوسع حول طبيعة العمل السياسي داخل حركة فتح، وحول الحدود الفاصلة بين المعارضة الداخلية والمساومة السياسية. فالموقف السياسي الذي يتبدل بمجرد تبدل الموقع يفقد جزءاً كبيراً من مصداقيته، خصوصاً عندما تكون التصريحات السابقة قد رفعت سقف التوقعات لدى الجمهور، ثم انتهت إلى تسويات داخلية لا يعرف الجمهور تفاصيلها.

وتبرز المعضلة بجلاء عندما يتحول الاختلاف إلى أداة للضغط من أجل الموقع، ثم يختفي بمجرد الحصول على الموقع أو النفوذ ليصبح السؤال مشروعاً: هل كان الخلاف متعلقاً بالمبدأ، أم بالكرسي الذي يجلس عليه صاحبه؟.

ويكشف هذا النمط، أزمة أعمق في العلاقة بين القيادات الفتحاوية وقواعدها وجمهورها. فرفع سقف الخطاب في لحظة الصراع الداخلي يمنح القيادي صورة المعارض الجريء، لكنه يضعه أمام اختبار حقيقي عندما يصبح جزءاً من دائرة القرار. فإذا بقي على مواقفه، أثبت أنها كانت مبدئية، وإذا تراجع عنها من دون تفسير، يصبح من حق الجمهور مساءلته عن أسباب التغيير.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً أمام قيادات حركة فتح: إذا كانت المواقف التي أُطلقت في الأمس تمثل قناعات حقيقية، فما الذي تغيّر اليوم؟ أما إذا كانت مجرد أوراق تُرفع عند الحاجة ثم تُطوى عندما تتغير الحسابات، فإن المطلوب هو قول ذلك بوضوح، بدلاً من تقديم التراجع باعتباره توافقاً سياسياً.

فالمبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير الكرسي، والموقف السياسي لا يفقد قيمته عندما ينتقل صاحبه من المعارضة إلى موقع القرار. أما أن يرتفع الصوت خارج الغرفة ثم يصبح الصمت فضيلة داخلها، فذلك لا يصنع قيادة سياسية، بل يعزز الانطباع بأن المنصب والنفوذ ثمناً للصمت واستمرار التواطؤ المفضوح في سياسات عباس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى