تحقيق سري: مجلس السلام ارتكب جرائم فساد وهدر أموال مخصصة لغزة

كشفت مصادر مطلعة عن فتح تحقيق داخلي في «مجلس السلام» بشأن شبهات اختلاس وفساد وسوء إدارة لأموال جرى توجيهها إلى عمليات المجلس و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وسط توجه لإبقاء نتائج التحقيق والمعلومات المتعلقة بحركة الأموال بعيدًا عن الرأي العام.
وقالت المصادر إن التحقيق يتناول كيفية التصرف في الأموال وتوجيهها، بما في ذلك نفقات مرتبطة بعمل اللجنة الإدارية الفلسطينية ونفقات أخرى داخل مجلس السلام نفسه، وما إذا كانت مبالغ قد أُنفقت أو جرى توجيهها بعيدًا عن الأغراض التي خُصصت لها.
وبحسب المصادر، أُحيط التحقيق بدرجة عالية من السرية، فيما يوجد توجه داخل المجلس لعدم نشر تفاصيله أو الكشف للرأي العام عن حجم الأموال محل التدقيق أو الجهات والأشخاص الذين استفادوا منها.
وأضافت المصادر أن نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي للمجلس بشأن غزة، واجه تساؤلات داخلية بشأن إدارة الأموال وآليات الإنفاق، وأنه برر جانبًا من طريقة إدارة النفقات بعدم اكتمال الهيكل المؤسسي للمجلس حتى الآن، وبامتلاكه مساحة واسعة من الصلاحيات للتصرف وفق ما يراه مناسبًا، في ظل الصلاحيات والدعم اللذين حصل عليهما من دولة الإمارات.
ولم يتسنَّ حتى الآن التحقق بشكل مستقل من هذه الرواية أو الحصول على وثائق التحقيق الداخلية، كما لم تظهر معلومات علنية تؤكد فتح التحقيق أو تحدد حجم الأموال التي يشملها أو ما إذا كانت التحقيقات قد خلصت إلى ثبوت اختلاس أو فساد بحق أي شخص. كما لم يصدر، بحسب ما أمكن رصده، إعلان رسمي من مجلس السلام بشأن تحقيق مالي داخلي من هذا النوع.
غير أن المعلومات الجديدة تأتي في ظل تساؤلات قائمة أصلًا حول شفافية البنية المالية للمجلس وطريقة إدارة الأموال المخصصة لغزة.
ففي مايو/أيار الماضي، كشفت Financial Times أن الصندوق الرسمي للمجلس الذي أنشأه البنك الدولي لم يكن قد تلقى أي أموال، رغم مليارات الدولارات التي أُعلن عن التعهد بها. وفي المقابل، تلقى المجلس مساهمات بصورة مباشرة عبر حساب لدى JPMorgan، لا يخضع، وفق الصحيفة، لمتطلبات الإفصاح المستقل المطبقة على الصندوق الذي يديره البنك الدولي. (Financial Times)
ووفق الصحيفة، كان البنك الدولي ملزمًا بتقديم تقارير عن الوضع المالي للصندوق إلى المساهمين وأعضاء المجلس، في حين لم تكن هناك متطلبات مستقلة مماثلة للشفافية بالنسبة إلى حساب JPMorgan. وقال مسؤول في المجلس للصحيفة آنذاك إن المجلس سيقدم بياناته المالية إلى مجلسه التنفيذي «في الوقت الذي يراه مناسبًا». (Financial Times)
كما كشفت Financial Times أن نحو 3 ملايين دولار من المغرب و20 مليون دولار من الإمارات ساعدت في تمويل مكتب ملادينوف ورواتب أعضاء اللجنة الفلسطينية التي شكلها المجلس لإدارة غزة. وكانت الإمارات قد قدمت أيضًا 100 مليون دولار لتدريب قوة شرطة جديدة لغزة، إلا أن البرنامج لم يكن قد بدأ وكانت الأموال مجمدة وقت نشر التقرير. (Financial Times)
وتنص وثائق تأسيس المجلس، وفق ما أوردته Financial Times، على أن المجلس التنفيذي مسؤول عن إنشاء آليات للرقابة على الميزانيات والحسابات والمدفوعات بما يضمن سلامتها، وهو ما يثير تساؤلات إضافية بشأن طبيعة الرقابة التي مورست بالفعل على الأموال التي أُنفقت خارج آلية البنك الدولي. (Financial Times)
وكانت تقارير صحفية قد أشارت منذ الأشهر الأولى إلى حالة من الغموض المالي والإداري المحيطة باللجنة الفلسطينية. ففي فبراير/شباط، نقلت The Guardian أن أعضاء اللجنة الموجودين في القاهرة لم يكونوا يعرفون بصورة واضحة حجم الميزانية المتاحة لهم أو حتى الإطار الدقيق للسلطة التي يعملون تحتها. (The Guardian)
وازدادت الأسئلة بشأن المساءلة في يونيو/حزيران، عندما كشفت The Guardian عن مشروع قرار يمنح المجلس وموظفيه وقواته والمتعاقدين معه حصانات قانونية واسعة. ونقلت الصحيفة عن خبراء قانونيين مخاوف بشأن الكيفية التي يمكن بها مساءلة العاملين ضمن هذه المنظومة. (The Guardian)
وفي أغسطس/آب، وفي سياق نفيه تقارير عن ترتيبات مالية مع حماس، قال ملادينوف علنًا إن العقود والمدفوعات تخضع للمراجعة والموافقة، وإن المشاريع يجري التحقق منها قبل الدفع، وإن الحسابات مفتوحة بالكامل لتدقيق الحكومات المانحة. وهذه التصريحات تجعل مسألة نشر نتائج أي تحقيق مالي داخلي ــ إن تأكد وجوده ــ اختبارًا مباشرًا لهذه التعهدات بالشفافية. (The Times of Israel)
وتكتسب القضية حساسية أكبر بالنظر إلى محدودية ما تحقق على الأرض. فبحلول يوليو/تموز كان المشروع الواسع لإعادة إعمار غزة قد تقلص إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب القطاع، فيما ذكرت The Guardian أن جزءًا ضئيلًا فقط من الأموال التي سبق التعهد بها قد تحقق فعليًا. (The Guardian)
وتطرح المعلومات الجديدة مجموعة من الأسئلة التي لم يقدم مجلس السلام حتى الآن إجابات علنية عنها: كم تلقى المجلس واللجنة الإدارية فعليًا من الأموال منذ تأسيسهما؟ كم أُنفق منها؟ وعلى ماذا؟ وما حجم ما أُنفق على الرواتب والمكاتب والإقامة والسفر والمستشارين والمصاريف التشغيلية مقارنة بما وصل فعليًا إلى سكان غزة؟ ومن يراجع هذه النفقات؟ وهل خضعت حسابات JPMorgan لتدقيق مستقل؟ وما طبيعة التحقيق الداخلي الجاري، ومن يشرف عليه، ولماذا لم يُعلن عنه؟
كما تبرز أسئلة بشأن الصلاحيات المالية الممنوحة لملادينوف، والأساس القانوني والتنظيمي لهذه الصلاحيات، وحدود قدرته على اعتماد النفقات والتعاقدات، والدور الذي لعبته الدول الممولة، بما فيها الإمارات، في تحديد هذه الصلاحيات.
وفي حال صحة المعلومات المتعلقة بوجود تحقيق داخلي، فإن عدم إعلان نتائجه أو تفاصيل الأموال محل التحقيق سيضيف طبقة جديدة من الغموض إلى منظومة مالية سبق أن أثارت تساؤلات بسبب تمرير مساهمات خارج آلية البنك الدولي الأكثر وضوحًا من حيث متطل





