تحليلات واراء

بعد عام على موجة الاعترافات.. صفر كبير لسلطة رام الله باستثمار الزخم الدبلوماسي

تدخل سلطة رام الله الذكرى الأولى لموجة الاعترافات الغربية الواسعة بدولة فلسطين وسط تساؤلات متزايدة حول قدرتها على تحويل هذا التحول الدبلوماسي إلى خطوات سياسية ومؤسسية ملموسة تقرب الفلسطينيين من إقامة دولتهم، بعدما حصلت القضية الفلسطينية خلال العام الماضي على دعم دولي غير مسبوق من دول غربية كبرى.

وتُظهر حصيلة العام أن الاعترافات حققت مكسباً سياسياً مهماً للفلسطينيين، لكنها لم تنجح حتى الآن في تغيير الوقائع على الأرض، فيما استمرت دولة الاحتلال الإسرائيلي في توسيع الاستيطان وفرض قيودها على الأراضي الفلسطينية، بينما بقيت السلطة مطالبة بإثبات قدرتها على الإصلاح وإعادة بناء المؤسسات وتعزيز شرعيتها الداخلية.

وشكلت فرنسا نقطة تحول رئيسية في هذا المسار عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 22 سبتمبر/أيلول 2025 اعتراف بلاده بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أيام من تبني الجمعية العامة “إعلان نيويورك” بشأن تنفيذ حل الدولتين بأغلبية 142 دولة.

وتبعت فرنسا دول بينها بريطانيا وأستراليا وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا والبرتغال ودول أخرى.

وأتاح هذا التحول للسلطة فرصة لبناء جبهة دبلوماسية أوسع، خصوصاً أن إعلان نيويورك لم يكتف بتأكيد قيام دولة فلسطينية، بل ربط المسار أيضاً بإصلاح السلطة وإجراء انتخابات عامة ورئاسية خلال عام، إلى جانب تحسين الحوكمة والشفافية والاستدامة المالية.

ونص الإعلان على دعم إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة وعلى إعادة إعمار غزة، كما رحب بالتزامات الرئيس محمود عباس المتعلقة بالإصلاح والانتخابات.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يبرز نشطاء أن الزخم الدولي لم يتحول بالسرعة المطلوبة إلى حملة دبلوماسية فلسطينية متماسكة تستثمر الاعترافات للضغط على الدول التي اعترفت بفلسطين كي تنتقل من الاعتراف السياسي إلى إجراءات عملية، مثل فرض قيود على الاستيطان، حماية الأراضي الفلسطينية، دعم العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، وتوفير آليات دولية لحماية المدنيين ودعم إعادة إعمار غزة.

ويلاحظ في المقابل عامل آخر يتعلق بصورة السلطة نفسها أمام الدول التي اعترفت بفلسطين، إذ أصبحت الإصلاحات الداخلية شرطاً متكرراً في الخطاب الأوروبي والدولي بشأن الدولة الفلسطينية.

وكانت فرنسا قد ربطت اعترافها منذ البداية بمسار أوسع يشمل إصلاح السلطة وإجراء انتخابات، فيما أكد ماكرون لاحقاً أن إصلاح السلطة يمثل شرطاً أساسياً لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وديمقراطية وذات سيادة.

وتلقى هذا الملف ضربة إضافية بسبب تأخر الانتخابات الفلسطينية. فقد تعهد عباس في 2025 بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عام، لكن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قال في يونيو/حزيران 2026 إن هذا الالتزام لم ينفذ في موعده ولم يكن هناك جدول انتخابي واضح، مطالباً بإجراء الانتخابات خلال 2026.

وأعلنت السلطة لاحقاً، في يوليو/تموز 2026، موعداً للانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في أوائل 2027، وهو ما رحبت به فرنسا باعتباره خطوة لتنفيذ تعهدات عباس. وبذلك انتقل الملف من مرحلة التأجيل إلى مرحلة التحضير، لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بإجراء انتخابات فعلية وشفافة وشاملة.

فساد السلك الدبلوماسي الفلسطيني

تواجه سلطة رام الله في الوقت نفسه انتقادات مزمنة بشأن الشفافية والمحسوبية داخل مؤسساتها، بما في ذلك السلك الدبلوماسي.

وأظهر التقرير السنوي الأخير للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أن 40 سفيراً وقنصلاً واحداً عُينوا خلال 2025، مع تسجيل مخاوف بشأن تعيين أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بمسؤولين حاليين أو سابقين، كما أوصى التقرير بإنشاء لجنة وطنية لمراجعة نزاهة التعيينات العليا، وبينها السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية.

وتعود هذه الانتقادات إلى سنوات سابقة، إذ وثقت تحقيقات صحفية فلسطينية تعيين أقارب مسؤولين في مناصب حكومية ودبلوماسية، بينما وثقت مبادرات فلسطينية لمكافحة الفساد مخاوف بشأن غياب الشفافية في تعيينات السلك الدبلوماسي.

ويتزامن ذلك مع استمرار تركيز قيادة السلطة على ملفات مالية وحياتية شديدة الأهمية، بينها الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية التي يحتجزها الاحتلال الإسرائيلي، والحفاظ على الاستقرار المالي للسلطة، فضلاً عن ملف حركة المسؤولين الفلسطينيين.

وتؤكد السلطة أن هذه الملفات ضرورية لاستمرار مؤسساتها، لكن النشطاء يرون أن الجهد السياسي المطلوب كان يجب أن يترافق معها بتحرك دبلوماسي أكثر تنظيماً لتحويل الاعترافات إلى التزامات عملية.

وتبقى المشكلة الأساسية أمام السلطة في قدرتها على الجمع بين المسارين: إصلاح البيت الداخلي واستثمار التحول الخارجي. فقد حصل الفلسطينيون خلال عام واحد على اعترافات دول غربية رئيسية وعلى إعلان أممي أيدته 142 دولة، لكن تحويل هذا الرصيد إلى إجراءات سياسية وقانونية واقتصادية لحماية الأرض ودعم الدولة يتطلب مؤسسات أكثر شفافية، وانتخابات تمنح القيادة شرعية متجددة، وسلكاً دبلوماسياً قادراً على العمل ضمن استراتيجية وطنية موحدة.

وتشير حصيلة العام الأول إلى أن الاعتراف الدولي بفلسطين وفر للسلطة فرصة دبلوماسية كبيرة، لكن الاعتراف بحد ذاته لا ينشئ دولة على الأرض. وتبقى قدرة قيادة السلطة على تنفيذ الإصلاحات والانتخابات، وتحسين أداء مؤسساتها وسفاراتها، وحشد الدول المعترفة خلف خطوات عملية، عوامل حاسمة في تحديد مقدار ما يمكن أن يتحول من الرصيد الدبلوماسي المتراكم إلى إنجازات فعلية في طريق إقامة الدولة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى