الأولوية للكرسي والحكم.. سلطة رام الله أوقعت نفسها في ورطة لا انفكاك منها

بإقدامها على تأجيل الانتخابات التشريعية، رغم تعهداتها بذلك على مدار أشهر، سواء أمام الرأي العام الفلسطيني أو الأطراف الإقليمية والدولية، فإن سلطة رام الله أوقعت نفسها في ورطة لا انفكاك منها، وسط مؤشرات متطابقة على اشتداد عزلتها الخارجية وسقوط آخر الرهانات على مستقبلها.
ويبرز الكاتب والمحلل السياسي من رام الله، جهاد حرب، أن الطبقة السياسية الفلسطينية «لم تتعلم بعد من الأزمات التي مرت بها على مدار السنوات الماضية، سواء من تداعيات الموقف في حرب الخليج الثانية عند احتلال العراق لأرض دولة الكويت الشقيقة، أو في التصرف بعد السابع من أكتوبر 2023 لاحتواء الوصول إلى الكارثة».
ورأى حرب أن أحدث سقطات قيادة السلطة تمثلت في إصدار مرسوم رئاسي، بناءً على توصية من اللجنة التنفيذية «التي ليست صاحبة اختصاص»، لتأجيل الانتخابات التي كان مزمعاً إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، من دون الأخذ بالحسبان التزامات دولة فلسطين وتعهداتها تجاه دول صديقة والمجتمع الدولي.
ويشير حرب إلى أن «حجم الضغوط التي تتعرض لها قيادة السلطة الفلسطينية من قبل الإدارة الأميركية واتباعها أمر مُدرك، وقد يكون مقبولاً في حال كان هناك تحول أو بوادر تحول في السياسة الأميركية، لكن استمرار المراهنة على وعود أو فتات وعود غير قابلة للتنفيذ بات غير مقبول».
في المقابل، تبرز تحولات دولية للانفكاك من السطوة الأميركية على القضية الفلسطينية، أو الخروج عن هيمنتها على محاور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفها وسيطاً غير نزيه. وتتمثل هذه البوادر في مسار دولي موازٍ تقوده، بشكل أساسي، كل من فرنسا والسعودية لتنفيذ خيار حل الدولتين.
تأجيل الانتخابات التشريعية
نبّه حرب إلى أن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية، «وإن كانت هذه الانتخابات ناقصة»، أدى إلى غضب دول صديقة، أو تحولت إلى دول «صديقة» خلال العامين الماضيين، نتيجة عدم احترام التعهد المكتوب المقدَّم من قيادة السلطة إليها، في إطار المسار الجديد للمجتمع الدولي، والمتمثل في «تنفيذ خيار حل الدولتين، والتعاقد مع الدول المانحة لتنفيذ برنامج الإصلاح في مؤسسات السلطة، ورسائل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خاصة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون».
وقد تمثل هذا الغضب في تصريحات صادرة عن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وبيان مشترك من الدول الأربع التي اعترفت بدولة فلسطين عام 2025، وهي فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا. وكان الأكثر قسوة بيان وزارة الخارجية الفرنسية، الذي اشترط تقديم أي مساعدة لبناء مؤسسات دولة فلسطين باحترام التعهدات المكتوبة، إلى جانب طلب مفوضة الخارجية الأوروبية، بصيغة دبلوماسية بطعم الأمر، «إجراء الانتخابات في أقرب فرصة».
وبحسب حرب، تحمل الصيغ الدبلوماسية التي صدرت عن هذه الأطراف تداعيات متعددة، ليس أقلها دراسة وقف أو خفض المساعدات المالية المقدمة من هذه الدول، فرادى أو عبر الاتحاد الأوروبي، إلى السلطة الفلسطينية، ناهيك عن احتمالية التقلبات السياسية في مواقفها من القضية الفلسطينية، وتقليص الإجراءات التي اتخذتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، وقد تصل إلى ممارسة ضغط على القيادة الفلسطينية، في صورة حصار سياسي.
ويخلص حرب إلى أن قيادة السلطة «أوقعت نفسها في ورطة لا انفكاك منها؛ فإن استجابت وألغت المرسوم الرئاسي القاضي بتأجيل الانتخابات إلى الحادي عشر من سبتمبر 2027، ستظهر أنها خاضعة للقوى الخارجية بشكل فج، وإن أصرت على ما جاء في مرسوم التأجيل، فعليها تحمّل التداعيات السياسية لعدم احترامها الالتزامات التي تعهدت بها، وتحميل الشعب الفلسطيني الأعباء المترتبة. فلا الاستمرار مقبول، ولا التراجع ممكن، ولسان حال القيادة يقول: وقعنا في الفخ».





