تحليلات واراء

حصيلة قيادة السلطة في مواجهة إبادة غزة: حال بائس وشرعية متحلّلة

في واحدة من أحلك المراحل التي مرّ بها الشعب الفلسطيني منذ النكبة، بدت قيادة السلطة الفلسطينية الرسمية – ممثَّلة بالسلطة في رام الله – عاجزةً عن الارتقاء إلى مستوى التحدي الوجودي الذي فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

إذ بينما كانت مشاهد الدمار والمجازر تملأ شاشات العالم، وقوافل الدعم الشعبي تتدفق من مختلف القارات نصرةً لفلسطين، غابت السلطة عن المشهد السياسي والشعبي معًا، مكتفية بخطابات رتيبة لا تتجاوز حدود الشجب اللفظي، وكأنها جهة مراقبة لا طرف أصيل في معركة مصيرية تمسّ مصيرها قبل غيرها.

منذ الأيام الأولى للعدوان، اكتفت السلطة بإصدار بيانات شكلية وتحركات دبلوماسية محدودة بلا أثر حقيقي، في حين كانت تمارس القمع الممنهج لأي حراك شعبي داعم لغزة في مدن الضفة الغربية.

فبدلاً من أن تقود الجماهير وتعبّئ الشارع الفلسطيني لمواجهة الحرب ومقاومة الاحتلال، تعاملت مع المظاهرات بصفـتِها “تهديدًا داخليًا”، وكأن صوت التضامن مع غزة جريمة سياسية.

وقد أصبح واضحًا أن السلطة تخشى انتفاضة شعبية أكثر مما تخشى العدوان الإسرائيلي نفسه، إذ تدرك أن أي موجة احتجاج واسعة قد تهزّ بنيتها الهشّة وتكشف عجزها السياسي والأخلاقي أمام الفلسطينيين والعالم.

الأمر لا يتعلق فقط بالعجز عن اتخاذ موقف، بل بالغياب الكامل عن أي فعل سياسي جادّ. فمنذ سنوات، والقيادة الفلسطينية تلوّح بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال كلما تصاعدت الاعتداءات، لكنها لم تفعل حتى في وجه حرب إبادة غير مسبوقة.

فما جدوى التهديد إن لم يُترجَم إلى فعل؟ وما معنى “سلطة وطنية” تواصل العمل تحت سقف الاحتلال، فيما يُباد جزء من شعبها على مرأى العالم؟ لقد تحوّل التنسيق الأمني إلى رمزٍ لانفصام هذه السلطة عن الواقع الوطني، وإلى مؤشر على وظيفتها كجهاز يحافظ على “الاستقرار الأمني” الذي تحتاجه إسرائيل لإدارة احتلالها بأقل كلفة ممكنة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

غياب السلطة لم يقتصر على الساحة الداخلية. فعلى المستوى الدولي، تراجعت مكانتها إلى حدٍّ غير مسبوق. ففي مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بحلّ الدولتين، الذي بادرت إليه فرنسا والسعودية، جاء تمثيل القيادة الفلسطينية هامشيًا وباهتًا، أقرب إلى حضور “ضيف شرف” لا يُؤخذ رأيه في القرارات.

وحتى في قمة شرم الشيخ، التي دعت إليها مصر لبحث سبل وقف الحرب على غزة، بدا الوفد الفلسطيني بلا تأثير حقيقي، وكأن وجوده مجرد استكمال شكلي للصورة.

ولا يفسر هذا التراجع بالضعف الظرفي، بل بتآكل الشرعية السياسية التي تعانيها السلطة منذ أكثر من ربع قرن، بعد أن فقدت صلتها بقاعدتها الشعبية، وارتبطت أكثر فأكثر بالمنظومة الأمنية والاقتصادية التي يهيمن عليها الاحتلال.

لقد كان اتفاق أوسلو عام 1993 نقطة التحول التي أوقعت الحركة الوطنية الفلسطينية في فخّ “السلطة قبل الدولة”. فبدلاً من أن تكون السلطة أداة لتعزيز مشروع التحرير، أصبحت أداةً لتكريسه. لم تستفد القيادة من تجارب لبنان والأردن، ولم تُعد بناء الحركة الوطنية على أسس المقاومة السياسية والميدانية، بل أسّست نظامًا بيروقراطيًا فاسدًا قائمًا على المحسوبية والاستزلام.

كما أن هذا النظام أفرغ حركة “فتح” – العمود الفقري للمنظمة – من مضمونها النضالي، وحوّلها إلى جهاز إداري تابع للسلطة.

وقد وصفها الباحث يزيد صايغ مؤخرًا: “جثة تسير على قدمين”. ورغم قسوة الوصف، إلا أنه يجسّد بدقة واقع السلطة اليوم: بنية متهالكة تفتقر إلى الحيوية، وتحيا فقط بفضل الدعم المالي الدولي وبقاء الاحتلال الذي يمنحها وظيفة.

المصالحة الفلسطينية ويكيبيديا

الانقسام بين غزة ورام الله عمّق هذا الانهيار. فعوضًا عن البحث عن وحدة وطنية على أساس برنامج مشترك، تجاهلت القيادة في رام الله كل المبادرات التي وُضعت على الطاولة، رغم أنها وافقت سابقًا على معظمها نظريًا.

فقد اختارت السلطة البقاء في موقع “الشرعية الدولية” على حساب الشرعية الشعبية، متذرعة بأن الانقسام يمنعها من التحرك، فيما هي تساهم في تكريسه عمليًا عبر سياسات الإقصاء والتهميش.

واليوم، بينما تنزف غزة دمًا، بات واضحًا أن الانقسام لم يعد سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا: بين سلطة تتحدث عن “عملية سلام” ماتت منذ عقدين، وشعب يواجه الإبادة بسواعده العارية.

حتى الحراك العالمي غير المسبوق نصرةً لفلسطين، والذي شمل ملايين المتظاهرين في العواصم الغربية، لم تجد فيه السلطة فرصة لتجديد دورها أو قيادة الموجة السياسية. تركت الساحة لحركات تضامن مستقلة، ومنظمات مدنية، ومغتربين فلسطينيين يدافعون عن قضيتهم بلا غطاء رسمي.

وقد كان يمكن للقيادة الفلسطينية أن تكون الصوت السياسي المنظم لهذا الزخم العالمي، لكنها فضّلت الصمت والانكفاء، خوفًا من أن تُستفز إسرائيل أو تتوتر علاقاتها مع العواصم الغربية المانحة.

حصيلة كل ذلك أن السلطة تجد نفسها اليوم في موقع لم تعد تملك فيه القدرة على الفعل ولا حتى على التمثيل الحقيقي. فهي فقدت شرعيتها الانتخابية منذ أكثر من 15 عامًا، وشرعيتها الوطنية بانفصالها عن نبض الشارع، وشرعيتها الأخلاقية بصمتها أمام المجازر في غزة. باتت مجرد هيكل إداري يعيش على هوامش الاحتلال، لا يملك قرارًا ولا يعبّر عن ضمير الشعب الذي يدّعي تمثيله.

لقد كشفت حرب غزة عن عُري السلطة الفلسطينية بالكامل، وعن حقيقة دورها كأحد أوجه النظام الإقليمي الذي يفضّل “الاستقرار” على العدالة، و”التنسيق” على التحرير.

ومع استمرار هذا الحال، فإن ما يتآكل ليس فقط شرعيتها، بل مبرر وجودها ذاته. لقد انتهى زمن الشعارات، وبدأ زمن الحساب: حساب القيادة التي اختارت البقاء في موقعها الوظيفي، بينما يختار شعبها الصمود والمقاومة طريقًا للبقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى