مستقبل السلطة الفلسطينية.. بقاء المؤسسة مقابل موت المشروع السياسي

حذّرت ورقة بحثية حديثة من أن الخطر الأكبر على السلطة الفلسطينية قد لا يتمثل في انهيارها كما يهدد وزراء اليمين الإسرائيلي المتطرف لأغراض انتخابية، بل في بقائها بوصفها مؤسسة إدارية وأمنية بينما يتآكل المشروع السياسي الذي أنشئت من أجله.
ونبهت الورقة التي صدرت بعنوان “مستقبل السلطة الفلسطينية بين المقاربات الإسرائيلية والسجال الفلسطيني في ظل تعميق المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية”، ونشرها مركز الجزيرة للدراسات، من مفارقة تبدو أكثر قسوة بأن انهيار السلطة لا يعد السيناريو الأخطر، بل نجاحها في البقاء بوصفها جهازاً إدارياً وأمنياً منزوع الأدوات السياسية.
وتضع الورقة السلطة أمام معادلة تكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه؛ تبقى قادرة على دفع الرواتب وتشغيل المدارس والمستشفيات وإدارة البلديات والأمن، بينما تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي التحكم بالأرض والحدود والموارد وحركة الفلسطينيين، بما يجعل السلطة تدير حياة السكان من دون أن تمتلك السيطرة على مقومات حياتهم السياسية والوطنية.
ويعني هذا الواقع، وفق الورقة، أن استمرار السلطة لا يساوي استمرار المشروع السياسي الذي أنشئت من أجله. فالمؤسسة قد تبقى، والوزارات قد تعمل، والموظفون قد يتقاضون رواتبهم، والأجهزة الأمنية قد تواصل مهامها، لكن المجال الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة يتآكل تدريجياً تحت وقع الاستيطان والضم الفعلي.
ثلاث سيناريوهات لمستقبل سلطة رام الله
تشير الورقة إلى أن السيناريو الأول يتمثل في بقاء الوضع القائم، أي استمرار السلطة كـ”سلطة وظيفية ضعيفة” بالتزامن مع استمرار الضم الفعلي للضفة الغربية.
وبموجب ذلك تستمر السلطة في إدارة الفلسطينيين داخل المدن والتجمعات، وتقدم الخدمات الصحية والتعليمية، وتدفع رواتب الموظفين، فيما تحتفظ دولة الاحتلال بالسيطرة العليا على الأمن والحدود والطرق والموارد الطبيعية، إلى جانب قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية داخل المناطق الفلسطينية.
ويكشف هذا السيناريو خللاً جوهرياً في وظيفة السلطة الحالية، إذ تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية إدارة السكان وتوفير الخدمات، بينما تبقى أدوات السيطرة الحقيقية خارج يدها. وتتحول السلطة، بهذه المعادلة، من مشروع سياسي يفترض أن يقود إلى التحرر والدولة إلى إدارة مدنية وأمنية تعمل داخل واقع يزداد فيه الاحتلال رسوخاً.
وتبرز الأزمة المالية باعتبارها إحدى أهم أدوات إبقاء السلطة في هذه المنطقة الرمادية بين البقاء والانهيار. فاحتجاز حكومة الاحتلال عائدات المقاصة والاقتطاع منها يضع السلطة تحت ضغط مالي دائم، ويحد من قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات، فيما يزيد الاعتماد على المساعدات الخارجية من ارتهان قدرتها على الاستمرار للدعم الدولي.
وتكمن المفارقة الأكثر حدة في أن السلطة قد تجد نفسها مطالبة بإدارة تبعات الاحتلال بدلاً من إنهائه. فكلما عجزت عن حماية الأرض أو التحكم بالموارد أو حرية الحركة، تراجعت قدرتها على إقناع الفلسطينيين بأن وجودها يمثل مرحلة باتجاه الدولة، وتحول بقاؤها إلى غاية بحد ذاته.
هشاشة واقع السلطة الفلسطينية
تشير الورقة في السيناريو الثاني إلى احتمال انهيار السلطة أو تفكيك وظائفها وتحويلها تدريجياً إلى إدارات محلية منفصلة.
ولا يحتاج هذا السيناريو إلى قرار إسرائيلي معلن بحل السلطة، إذ يمكن أن يتحقق عبر استنزافها مالياً وإدارياً، وتعطيل قدرتها على دفع الرواتب وتشغيل المؤسسات والخدمات، وصولاً إلى فقدانها القدرة الفعلية على إدارة المجتمع.
ويكشف هذا الاحتمال أيضاً هشاشة النموذج الحالي؛ إذ إن مؤسسة تعتمد في جزء أساسي من مواردها على أموال تتحكم دولة الاحتلال في وصولها، وتحتاج إلى المساعدات الخارجية لتغطية عجزها، وتعمل في مساحة جغرافية تخضع لسيطرة الاحتلال، تصبح قابلة للتفكيك بمجرد تراكم الضغوط المالية والسياسية والأمنية.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في إعادة تأهيل السلطة وتعزيز مكانتها السياسية والمؤسسية، لكن الورقة تضع لذلك شروطاً تتجاوز ضخ الأموال أو إنقاذ الموازنة. ويتطلب الأمر تجديد الشرعية الداخلية، وإصلاح المؤسسات، واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وربط السلطة بمشروع سياسي حقيقي لإقامة الدولة، وليس بمجرد وظيفة إدارة السكان تحت الاحتلال.
وتكشف هذه الشروط حجم الفجوة بين السلطة كما يفترض أن تكون والسلطة كما تعمل اليوم. فالإصلاح الإداري وحده لا يكفي، والانتخابات وحدها لا تحل الأزمة، وزيادة التمويل لا تمنح السلطة سيادة، ما لم يترافق ذلك مع إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتحديد وظيفة السلطة وعلاقتها بمنظمة التحرير والقضية الوطنية.
وتحمل قضية قطاع غزة أهمية حاسمة في هذا السياق. فإعادة السلطة إلى القطاع ضمن إطار فلسطيني موحد يمكن أن تمنحها دوراً سياسياً أوسع، بينما استمرار الفصل بين غزة والضفة الغربية يعني عملياً تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي، وتحويل السلطة إلى إدارة محلية في جزء من الأرض الفلسطينية بدلاً من كونها إطاراً وطنياً جامعاً.
التعايش المؤسسي مع الاحتلال
تقود الورقة إلى خلاصة شديدة الدلالة: السؤال لم يعد فقط هل تستطيع السلطة الفلسطينية البقاء، وإنما ماذا يعني بقاؤها؟ فبقاء السلطة وهي عاجزة عن وقف الاستيطان، أو حماية الأرض، أو التحكم بالموارد، أو فرض سيادتها، قد يتحول إلى شكل من أشكال التعايش المؤسسي مع الاحتلال بدلاً من كونه مرحلة مؤقتة على طريق إنهائه.
وتضع هذه القراءة سلطة رام الله أمام مسؤولية لا يمكن إخفاؤها خلف الأزمة المالية أو الضغوط الإسرائيلية. فاستمرار المؤسسات لا يكفي لتبرير استمرار النموذج السياسي، ولا يمكن للسلطة أن تطلب من الفلسطينيين التعامل مع بقائها باعتباره إنجازاً، بينما يتراجع المجال الذي يفترض أن تمارس فيه مشروعها الوطني.
وتكشف الورقة أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختفي السلطة غداً، بل أن تستمر لسنوات طويلة بالصيغة الحالية: حكومة بلا سيادة، وأجهزة بلا قدرة على حماية الأرض، ومؤسسات تدير السكان بينما تتوسع السيطرة الإسرائيلية حولها. عندها يصبح بقاء السلطة جزءاً من إدارة الأزمة، لا جزءاً من حلها.
ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً أمام قيادة السلطة ليس كيف تمنع انهيار السلطة فقط، بل كيف تمنع تحولها إلى مؤسسة دائمة لإدارة الاحتلال. فالبقاء من دون مشروع سياسي، والإدارة من دون سيادة، والإصلاح من دون شرعية، والتمويل من دون قدرة على القرار، كلها قد تطيل عمر المؤسسة، لكنها لا تعيد إحياء القضية السياسية التي قامت السلطة أصلاً على أساس تحقيقها.
وفي ظل تعميق المشروع الاستيطاني وتآكل الأرض الفلسطينية، يصبح الدفاع عن مجرد بقاء السلطة هدفاً محدوداً وخطيراً في الوقت نفسه. فالمطلوب ليس سلطة قادرة على دفع الرواتب فحسب، وإنما سلطة تستعيد معناها السياسي، وتملك مشروعاً وطنياً واضحاً، وتستند إلى شرعية شعبية، وتعمل على إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة واقع يتغير على حساب الفلسطينيين.





