لبنان الجديد على خطى سلطة رام الله في التطبيع والخضوع للاحتلال

يذهب لبنان الجديد، بقيادة جوزيف عون ونواف سلام، إلى التطبيع حافيَ القدمَين، مبتدئاً من حيث انتهت ما توصف بأنها “السلطة الوطنية الفلسطينية” في طريق التطبيع والخضوع للاحتلال الإسرائيلي.
ويبرز الكاتب المصري وائل قنديل أن لبنان الرسمي يفتتح الطريق الوعرة بإعلان حالة خصومة تقترب من العداء مع مشروع المقاومة الوطنية، تتجلى هذه الحالة في كيل الاتهامات بالجملة لمن يبذلون الدم والنفس حمايةً للجغرافيا والتاريخ، كما تتخذ أشكالاً أخرى، من السخرية النابية إلى الاستدعاء المقصود للطائفية، عناصر في صراع ليس من المفترض أن يكون موجوداً في الأصل.
وينبه قنديل إلى أن السلطة الفلسطينية المحبوسة في مبنى محاصر داخل رام الله لم تذهب إلى أحضان التنسيق الأمني مع الاحتلال والقطيعة مع المقاومة دفعةً واحدة، بل استثمرت، في البداية، في بقاء بندقية فلسطينية بيد مقاومين فلسطينيين في تكوين بعض أوراق التفاوض قبل الذهاب إليه، ثم استدارت لتطعن هذه المقاومة في القلب وتختار دفء العلاقة مع العدو.
ويشدد على أنه في الحالين، سواء كانت القطيعة مع المقاومة والكفاح المسلح بداية أم نهاية، لا يشبع الصهيوني ويطلب دائماً المزيد.
وفي المشهد اللبناني لم يعد المطلوب من الثنائي عون – سلام منحصراً في تجريد حزب الله من السلاح وطرده من جغرافيا الجنوب المحتل، وحذف مفردة المقاومة من قاموس لبنان، بل المعلن الآن نفي حزب الله سياسياً ومصادرة أمواله وإغلاق مؤسساته الاجتماعية والعلمية وإدراجه في لائحة الإرهاب بموجب قرار لبناني رسمي، وذلك كله قبل أن ينعم الصهيوني بالمصافحة الأولى للقيادة اللبنانية.
التنكر للمقاومة
يصل التنكر للمقاومة اللبنانية التي حررت لبنان من الاحتلال إلى حد اتهامها بأنها كانت السباقة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، حين وافقت على التفاوض تحت النار من أجل انسحاب العدو.
ويستظرف أحدهم أو يرتدي قفاز السماجة ويتساءل في تهتك: ما الفرق بين التفاوض تحت النار أو فوقها؟ ثم يتوصل إلى أن “كله تطبيع”، هكذا مرةً واحدة يبصقها في وجه مشاهديه، ثم يستبسل في الدفاع عن قرار السلطة الرسمية باختيار الوصال مع العدو والخصام مع الفصيل الوطني المقاوم، الذي اكتشف الجميع فجأةً أنه ينتمي، في معظمه، إلى الطائفة الشيعية.
ويعلق قنديل بهذا الصدد “يا لهول الاكتشاف! ثم يبني على اكتشافه المذهل اصطفافاً طائفياً دعماً للاقتراب من العدو، الذي لم يعد يسمى عدواً، والابتعاد عن المقاومة، التي لم تعد تسمى مقاومة”.
ويؤكد قنديل أنه “مؤلم وصادم أن لبنان الذي كنا نحسبه النموذج في الديمقراطية والتنوع الطائفي يتشظى فجأةً إلى قبائل مذهبية وطائفية تشتبك حول مشروع انتحار وطني يندفع نحو التطبيع من دون أي أوراق قوة يمكن ترجمتها إلى مكاسب للوطن كله، بتنوعه واتساعه، إذ تتأسس المواقف من مسألة التطبيع على قاعدة الاحتشاد الطائفي”.
ويقول “إذا كان الشيعي مع الكفاح المسلح وضد التطبيع، فليلعن السني هذا الكفاح ويهتف لمسار التطبيع، وكذلك يفعل المسيحي، فقط لأن من اختار هذا المسار هو رئيس الحكومة “السني” ورئيس الجمهورية “الماروني”، وهكذا يرتد لبنان إلى مرحلة ما قبل اتفاق الطائف (على هشاشته وتقسيماته الطائفية)، وهي مرحلة كان لبنان كله خلالها يتوجع في جحيم الاحتراب الأهلي”.
ويضيف “يحدث ذلك كله فيما انتقل نتنياهو من الكلام عن شرق أوسط تريد (إسرائيل) الهيمنة عليه وإدارته بمعرفتها إلى ممارسة هذه الإدارة فعلياً، ومخاطبة العالم إن على من يريد التعامل مع الشرق الأوسط أن يحصل أولاً على موافقة تل أبيب وإذنها”.
التطبيع العربي إلى أين ؟
يشير قنديل إلى أنه في الوقت الذي تشكو فيه دول عربية من لوعة الحرمان من الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، فإنها باتت تسلك وكأنها المالك الحصري لمنطقة الشرق الأوسط، والمتحكم فيه سياسياً واقتصادياً، وعلى دول المنطقة أن تعي ذلك وتلتزم به، أو فلتغادر الجغرافيا ولتشطب نفسها من الإقليم، ومن يتمرد على هذه الوضعية الجديدة سوف يعاقب”.
إذ يشدد الخطاب الإسرائيلي في عمومه على أنه لا هوادة مع من يتحدى ذلك، ولا فرق هنا بين ما يصدر عن حكومة يمينية متطرفة تهدد لبنان بالفناء، أو عن معارضة يعبر عنها بيني غانتس بالقول: “إذا لم نرد بقوة ضد الدولة اللبنانية فإننا سنعود إلى مرحلة المعادلات.
ويختم قنديل “في هذا الواقع المخيف يهرول لبنان الرسمي وحيداً، وبكل سعادة، صوب العدو، بحثاً عن وظيفة في مزرعة بنيامين نتنياهو، أو فيما كان يسمى الشرق الأوسط سابقاً”.





