معالجات اخبارية

“أبو باسل” وملايين الدولارات.. تفاصيل شبكة تهريب ضخمة إلى غزة

اسم غامض يتكرر في تفاصيل شبكة تهريب واسعة إلى قطاع غزة، وأرباح بملايين الدولارات، وجنود إسرائيليون متهمون بتلقي رشى مقابل تمرير شحنات، هذه بعض الخيوط التي تكشفها قضايا ووثائق قضائية إسرائيلية ضمن تحقيق موسع أجرته وكالة “أسوشيتد برس” حول تجارة التهريب التي توسعت في القطاع خلال الحرب.

“أبو باسل” هو الاسم الأبرز في هذه الشبكة، وفق التحقيق، رغم أن هوية الرجل لم تُحسم، وتقول مصادر تحدثت إليها الوكالة إنه يتمتع بنفوذ داخل شبكة التهريب، فيما تظهر وثائق قضائية إسرائيلية ارتباط اسمه بعمليات لتوفير سلع، بينها سجائر وهواتف، كانت معدة للنقل إلى غزة.

وفي إحدى الوقائع التي أوردتها الوثائق، داهمت الشرطة الإسرائيلية مستودعاً في مستوطنة بالضفة الغربية، وعثرت فيه على هواتف وسجائر مخصصة للنقل إلى القطاع. لكن العملية لم تنته باعتقالات أو مصادرة للبضائع بعد تواصل أحد المهربين مع “أبو باسل”.

وتشير الوثائق كذلك إلى أن منظمة مساعدات استُخدمت كغطاء لنشاطات مرتبطة بالشبكة، فيما نفت المنظمة وجود أي صلة لها بعمليات التهريب.

 شبكة تهريب وملايين الدولارات

وتكشف لوائح اتهام إسرائيلية عن حجم الأموال التي تدور في هذه التجارة، ففي إحدى القضايا، اتُّهم أربعة إسرائيليين بإدارة شبكة تهريب من مدينة “كريات غات”، وبالتنسيق مع جنود احتياط وتقديم رشى لهم مقابل إدخال شحنات إلى غزة.

وتقول لوائح الاتهام إن أحد الجنود حصل على نحو 120 ألف دولار مقابل إدخال ثلاث شحنات تضمنت قرابة 6 آلاف علبة سجائر.

وفي واقعة أخرى، اتُّهم جنديان احتياطيان بتنفيذ أربع رحلات إلى غزة خلال يوم واحد، ونقل نحو 20 ألف علبة سجائر، إلى جانب مئات أجهزة “آيفون” ومعدات طبية.

ولا تتوقف الأرقام عند ذلك. فوثائق المحاكم الإسرائيلية تتحدث عن ملايين الدولارات حققتها شبكات التهريب، من بينها نحو 2.2 مليون دولار اتُّهم شقيقان إسرائيليان بتحقيقها خلال عمليات نفذت بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، فيما وصلت الأرباح المنسوبة إلى متهمين آخرين إلى ما بين مليون وثلاثة ملايين دولار.

لكن التجار والسائقين الذين تحدثت إليهم “أسوشيتد برس” يقولون إن هذه القضايا لا تعكس سوى جزء من شبكة أكبر بكثير.

وتأتي اتساع شبكة التهريب في ظل القيود المفروضة على إدخال البضائع إلى قطاع غزة، إذ تحدّ “إسرائيل” من كميات بعض السلع وتمنع إدخال سلع أخرى، فيما تصنف نحو 150 فئة من المنتجات ضمن قائمة “الاستخدام المزدوج”، بحجة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية.

وبحسب التحقيق، تقتصر عمليات استيراد البضائع التجارية إلى غزة حالياً على نحو 12 تاجراً رئيسياً، يحصلون على موافقات مسبقة بشأن محتويات الشحنات.

ومع محدودية الكميات والسلع التي تدخل عبر القنوات الرسمية، يلجأ تجار إلى قنوات غير رسمية لتوفير منتجات يحتاج إليها السوق في القطاع، ما ساهم في توسع نشاط شبكات التهريب.

ولهذا، يلجأ بعض التجار إلى شبكات غير رسمية لتوفير المنتجات المطلوبة، بحيث أصبح التهريب، وفق بيانات تجار تحدثت إليهم الوكالة، يشكل أكثر من نصف نشاط بعضهم، فيما تجاوزت حصته 70% من الأرباح لدى آخرين.

وقال أحد التجار إن التهريب أصبح “أمراً روتينياً”، وإن القيود المفروضة على دخول البضائع جعلته في بعض الحالات الطريق الوحيد للحصول على منتجات يحتاج إليها السوق.

ولا تتم العملية عبر مسار واحد، فبحسب التحقيق، يعمل وسطاء ومنسقون على جانبي الحدود على ربط التجار بمصادر السلع وترتيب عمليات نقلها إلى القطاع.

وترسل بعض الجهات قوائم بالمنتجات المطلوبة، ثم يتولى الوسطاء توفيرها وتحديد طريقة إدخالها.

وتدخل معظم البضائع التجارية والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، حيث تخضع الشاحنات للتفتيش، لكن المهربين يستخدمون مسارات أخرى أيضاً، بما في ذلك مركبات عسكرية إسرائيلية وشاحنات تجارية، وفي حالات أقل شاحنات تابعة لمنظمات إنسانية.

وتكشف وثائق قضائية عن أساليب لإخفاء السلع داخل منتجات أخرى، فيما تشير إفادات إلى دفع أموال لجنود وسائقين وعمال مستودعات ووسطاء لتسهيل مرور الشحنات.

تهريب البضائع إلى غزة

ورغم أن السجائر والتبغ يبدوان من أكثر السلع ربحية في هذه التجارة، فإن قائمة المنتجات التي تدخل عبر هذه الشبكات أوسع بكثير.

وتشمل، وفق التحقيق، الوقود والهواتف الذكية وألواح الطاقة الشمسية والأدوية والمعدات الطبية وقطع غيار السيارات ومواد البناء.

وكل هذه المراحل لها ثمن، وفي النهاية يصل إلى المستهلك، فالأموال المدفوعة للسائقين والوسطاء وعمال المستودعات وغيرهم تضاف إلى سعر السلعة، إلى جانب المخاطر المرتبطة بإدخالها، ما يفسر جزءاً من الفارق الهائل بين أسعار بعض المنتجات قبل الحرب وأسعارها الحالية.

بطارية السيارة، التي كان سعرها في حدود 140 دولاراً قبل الحرب، تجاوزت 2300 دولار، بينما ارتفع سعر ألواح الطاقة الشمسية من نحو 16 سنتاً للواط إلى 3.25 دولارات.

أما السجائر، التي مُنع إدخالها إلى غزة منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فوصل سعر العلبة، وفق سكان تحدثت إليهم الوكالة، إلى نحو 140 دولاراً، بعدما تجاوز ألف دولار خلال فترة الحصار الكامل.

وحتى المراوح، التي كانت تباع بنحو 100 دولار، أصبحت تصل إلى نحو 500 دولار، في وقت يعيش فيه سكان في خيام وسط درجات حرارة مرتفعة.

وتكشف هذه الأرقام عن أكثر من مجرد عمليات تهريب منفصلة. فمع صعوبة إدخال السلع عبر القنوات الرسمية، نشأت منظومة اقتصادية موازية تضم تجاراً ووسطاء وسائقين ومخازن وميسرين، وتتحرك فيها أموال كبيرة لتوفير ما يحتاج إليه السوق.

وكلما زادت صعوبة إدخال سلعة معينة، ارتفعت قيمتها في السوق، وزادت الأرباح الممكنة من المخاطرة بإدخالها.

وبحسب “أسوشيتد برس”، يرى التجار والسائقون الذين تحدثت إليهم الوكالة أن ما ظهر في القضايا الإسرائيلية لا يمثل إلا جزءاً محدوداً من حجم هذه الشبكة.

وفي ظل استمرار القيود، يبقى المستهلك في غزة الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة؛ فهو الذي يدفع في النهاية ثمن السلعة، وثمن الطريق الذي سلكته للوصول إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى