الاستيطان في قلب مناطق سيطرة رام الله.. ماذا تبقى من سيادة فلسطينية مزعومة؟

يتسارع تمدد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، متجاوزاً هذه المرة حدود المناطق المصنفة «ج»، ليصل إلى قلب المناطق التي يفترض، وفق اتفاقيات أوسلو، أنها تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية المدنية والأمنية أو المدنية على الأقل.
وبينما تتوسع البؤر الاستيطانية داخل المناطق المصنفة «ب»، وتظهر مؤشرات على وصول الاستيطان حتى إلى مناطق «أ»، تتراجع أكثر فأكثر صورة «السيادة الفلسطينية» التي قامت عليها السلطة، لتبدو أمام واقع ميداني يفرضه الاحتلال دون قدرة حقيقية على منعه.
ويسعى المستوطنين بدعم سياسي وحكومي إسرائيلي، إلى إنشاء المزيد من البؤر في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وترسيخ وجودهم داخل المناطق المصنفة «ب»، التي يفترض أن تكون خاضعة للسلطة من حيث السيطرة المدنية.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، في تقرير نشرته أمس خميس، أن الحكومة الإسرائيلية تحاول إرجاع أحداث العنف في بلدة قصرة، جنوبي نابلس، ومناطق أخرى إلى مجموعة صغيرة من المستوطنين المتطرفين، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى ما هو أبعد من مجرد تحركات فردية.
عشرات البؤر داخل مناطق السلطة
بحسب التقرير، أقيم ما لا يقل عن 30 بؤرة استيطانية خلال العامين والنصف العام الأخيرين في مناطق تخضع لصلاحيات السلطة، معظمها داخل المناطق المصنفة «ب»، في ظاهرة تبدو منظمة ومدروسة وتحظى بدعم واسع من نواب اليمين في الكنيست الإسرائيلي.
ويشكل تقاعس قوات الاحتلال جزءاً بنيوياً من هذا المشهد، فيما تقام البؤر الجديدة على طول محاور الطرق، وفي قمم الجبال، وبالقرب من التجمعات والبناء الفلسطيني الجديد، بما يكرس واقعاً جديداً على الأرض.
وأشارت التفاصيل إلى إقامة بؤرة واحدة على الأقل داخل منطقة مصنفة «أ»، فيما اختيرت مواقع البؤر الأخرى لأهداف استراتيجية، من بينها إحباط التوسع والبناء الفلسطيني وفرض قيود جديدة على حركة الفلسطينيين.
ورغم الصورة التي تحاول تل أبيب تقديمها عن هذه التحركات باعتبارها مبادرات استيطانية منفصلة أو غير رسمية، فإن الوقائع، وفق التقرير، تشير إلى تعاون مع جيش الاحتلال ودعم كامل من أعضاء في الكنيست.
ومع استمرار التوسع الاستيطاني، يبدو أن المرحلة الجديدة تستهدف نقل عملية تجريد الفلسطينيين من أراضيهم من المناطق «ج» إلى المناطق التي تقع، نظرياً، ضمن نطاق عمل السلطة الفلسطينية.
توغل متزايد للاستيطان
تشكل المناطق المصنفة «أ» و«ب» نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، وظلت منذ عام 2024 بعيدة نسبياً عن إنشاء بؤر استيطانية جديدة. كما أن محاولات توسيع البؤر من المناطق «ج» إلى داخل المناطق «ب» كانت تُحبط سابقاً بأوامر من الإدارة المدنية الإسرائيلية.
لكن هذا الواقع تغير خلال ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية. ففي البداية، أقيمت البؤر الجديدة في المناطق «ب» بمحاذاة المناطق المصنفة «ج»، قبل أن تبدأ بالتوغل تدريجياً نحو عمق المناطق الخاضعة لصلاحيات السلطة الفلسطينية.
وفي صيف عام 2025، رصدت منظمات بحثية نحو عشر بؤر استيطانية في مناطق خاضعة لصلاحيات السلطة، معظمها داخل منطقة محمية طبيعية اتُّفق، في إطار اتفاقيات «واي ريفر»، على منع البناء فيها.
وبالتوازي مع ذلك، جرى سحب صلاحيات التخطيط وإنفاذ قوانين البناء من السلطة داخل تلك المحمية، فيما نُقلت خلال العام الجاري إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية صلاحيات إنفاذ أخرى في المناطق «أ» و«ب» تتعلق بالبيئة والآثار والمياه.
وقبل هذه الطفرة، كانت مثل هذه البؤر تُعد متطرفة ومنبوذة حتى وفق المفهوم الإسرائيلي، لكن الزيادة السريعة في أعدادها، وسط تجاهل الاحتلال للقوانين والإجراءات التي يفترض أن تمنعها، إلى جانب جولات الدعم المتكررة التي ينفذها أعضاء في الائتلاف الحكومي، حولتها إلى جزء متزايد الحضور من المشهد في الضفة.
وكان جيش الاحتلال قد أعلن، في يناير/كانون الثاني الماضي، أن 42 بؤرة استيطانية أقيمت «من دون موافقة المستوى السياسي»، وأنها مسؤولة عن نحو 90% مما وصفه بـ«الجريمة القومية» في الضفة، في إشارة إلى اعتداءات المستوطنين.
غير أن تقريراً لمنظمة «ييش دين» الحقوقية أشار إلى أن معظم هذه الاعتداءات وقعت في المناطق المصنفة «أ» و«ب».
سلطة بلا سلطة
تعيد هذه التطورات طرح السؤال حول ما تبقى فعلياً من صلاحيات سلطة رام الله، بعدما أصبحت مناطق يفترض أنها تخضع لسيطرتها مسرحاً للاستيطان والمصادرة والهدم والتدخل الإسرائيلي المباشر.
فالواقع الميداني، في ظل اتفاقيات أوسلو، يكشف تآكلاً متواصلاً في الصلاحيات الفلسطينية، إلى حد جعل السلطة تبدو، بحسب الوصف الذي استخدمه كبير المفاوضين الراحل صائب عريقات، «سلطة بلا سلطة».
كما أقر رئيس السلطة محمود عباس في أكثر من مناسبة بأن السلطة تعمل «تحت بساطير الاحتلال»، وأن تحركاته من رام الله وإليها، وحتى الوصول إلى مكتبه، مرتبطة بإجراءات وموافقات الاحتلال.
لكن التناقض الأكبر يكمن في أن السلطة التي قامت في الأساس على أساس ترتيبات أوسلو لا تزال عاجزة عن حماية الأراضي الواقعة ضمن مناطق صلاحياتها من التوغل الاستيطاني الإسرائيلي.
ويظهر تتبع مسار أوسلو أن سلطة رام الله صُممت منذ البداية ضمن إطار إدارة ذاتية محدودة، تشبه في كثير من جوانبها «الإدارة المدنية» التي أنشأها الاحتلال، وأن صلاحياتها بقيت مرتبطة بإرادة القوة المسيطرة على الأرض.
ومع بدء مفاوضات أوسلو، ركزت الترتيبات بصورة كبيرة على الجوانب الأمنية، فيما بقيت السيطرة الفعلية على الأرض والمعابر والحركة والموارد بيد الاحتلال.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التنسيق والترتيبات الأمنية، في مقابل استمرار الاستيطان وتوغله حتى داخل مناطق «أ» و«ب»، يعمق أزمة السلطة ويطرح تساؤلات متزايدة حول طبيعة الدور الذي تؤديه.
ومع انتقال البؤر الاستيطانية تدريجياً إلى قلب المناطق التي يفترض أنها تخضع لصلاحيات رام الله، تبدو «السيادة الفلسطينية» أقرب إلى عنوان سياسي من دون مضمون ميداني.
فالمستوطنات تتوسع، والأراضي تُصادر، وصلاحيات السلطة تتقلص، بينما يستمر الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض، لتبقى السلطة أمام حقيقة أكثر وضوحاً: حتى المناطق التي حملت يوماً وصف «مناطق السيطرة الفلسطينية» لم تعد بمنأى عن الاستيطان الإسرائيلي.





