تحليلات واراء

زكريا الزبيدي يتطاول على المقاومة التي حررته من سجون الاحتلال

تخلى عضو اللجنة المركزية لحركة فتح زكريا الزبيدي عن أبسط مظاهر الحياء والامتنان، عندما ظهر وهو يصفق للواء ماجد فرج خلال حديثه عن حركة حماس وهجوم “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومطالبته الحركة بالاعتذار عن مقاومتها، التي انتهت ضمن تداعياتها إلى تحرير الزبيدي نفسه من سجون الاحتلال الإسرائيلي، بعد سنوات من اعتقاله وتخلي فتح وسلطة رام الله عنه وعن أسرى الحركة.

وقد ظهر الزبيدي خلال كلمة لماجد فرج دعا فيها إلى اعتذار حركة حماس عن هجوم 7 أكتوبر، وسط تصفيق وتفاعل من عدد من الحاضرين، بينهم الزبيدي ما يطرح سؤالاً مباشراً عن الذاكرة السياسية والأخلاقية، خصوصاً أن الزبيدي نفسه كان أحد الأسرى الذين شملتهم صفقة التبادل التي جاءت في سياق الاتفاق الذي أوقف حرب الإبادة مؤقتاً وأدى إلى الإفراج عن عشرات الأسرى الفلسطينيين.

وكان جرى الإفراد عن الزبيدي في 30 يناير/كانون الثاني 2025، ضمن الدفعة الثالثة من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى مع حركة حماس، وذلك ضمن دفعة شملت 110 أسرى مقابل إطلاق ثلاثة إسرائيليين وخمسة تايلانديين كانوا محتجزين في غزة.

وقد اعتقل الزبيدي لدى الاحتلال في فبراير/شباط 2019، بعد سنوات من المطاردة والاعتقالات. وفي 6 سبتمبر/أيلول 2021، تمكن من الفرار من سجن جلبوع شديد التحصين برفقة خمسة أسرى آخرين عبر نفق حُفر من داخل السجن، قبل أن تعيد القوات الإسرائيلية اعتقاله بعد خمسة أيام، في 11 سبتمبر/أيلول 2021.

لكن المفارقة الأبرز جاءت في يناير/كانون الثاني 2025، عندما أصبح اسم الزبيدي ضمن قائمة الأسرى الذين ستشملهم صفقة التبادل. وكانت تقارير إسرائيلية أعلنت في 25 يناير أن الإفراج عنه متوقع ضمن الدفعة الثانية، إلا أن العملية لم تتم في ذلك اليوم، قبل أن يُفرج عنه فعلياً في 30 يناير ضمن الدفعة الثالثة.

وهنا تبرز المفارقة التي يضعها منتقدو الزبيدي أمامه: لو لم تقع الحرب التي أعقبت 7 أكتوبر، ولو لم تُفرض قضية الأسرى الفلسطينيين على طاولة التفاوض باعتبارها جزءاً من صفقة تبادل، لما كان الإفراج عنه تم بالطريقة التي جرى بها.

تنكر زكريا الزبيدي لتضحيات المقاومة

يطرح تصفيق الزبيدي لماجد فرج أثناء مطالبته حماس بالاعتذار إشكالية تتجاوز الخلاف السياسي بين فتح وحماس إلى مسألة الوفاء لمن دفع الثمن في سبيل ملف الأسرى، وفي مقدمتهم أهالي غزة الذين تحملوا حرباً مدمرة على مدى أشهر.

وتبدو المفارقة أكثر حدة عندما يُستحضر أن الزبيدي نفسه لم يكن أسيراً عادياً في السجون الإسرائيلية، بل كان اسماً بارزاً في المقاومة المسلحة خلال الانتفاضة الثانية، وقائداً سابقاً لكتائب شهداء الأقصى في مخيم جنين، قبل أن يصبح لاحقاً شخصية سياسية وتنظيمية داخل حركة فتح.

وقد أُعلن في مايو/أيار 2026 فوزه بعضوية اللجنة المركزية للحركة، ليعود بذلك إلى أعلى مستويات القيادة الفتحاوية بعد سنوات من السجن والمطاردة.

ويطرح هذا التحول سؤالاً سياسياً وأخلاقياً عن معنى الذاكرة لدى القيادات الفلسطينية التي انتقلت من موقع المواجهة والمطاردة إلى مواقع القيادة السياسية والتنظيمية. فالمشكلة ليست في اختلافه مع حماس أو في موقفه من 7 أكتوبر، وإنما في أن يتحول هذا الاختلاف إلى تجاهل للسياق الذي أخرج الأسرى من السجون، أو إلى التصفيق لمن يطالب الطرف الذي شارك في إنجاز صفقة التبادل بتقديم الاعتذار.

وتزداد المفارقة عندما يكون الأسير المحرر نفسه من بين المستفيدين المباشرين من تلك الصفقة. فالزبيدي لم يخرج من سجن إسرائيلي نتيجة عفو إسرائيلي، ولا نتيجة تسوية فردية، وإنما خرج في 30 يناير 2025 ضمن عملية تبادل واسعة جاءت في أعقاب الحرب التي اندلعت بعد 7 أكتوبر.

وهنا تنتقل القضية إلى مسألة الوفاء والذاكرة. فمن نسي فضل الأمس لا يستطيع بسهولة أن يقدم نفسه بوصفه صاحب معيار أخلاقي لليوم.

إذ أن الامتنان، في أبسط معانيه، يعني الاعتراف بفضل من وقف إلى جانبك عندما كنت في حاجة إليه. وقد يختلف الفلسطينيون في تقييم 7 أكتوبر، وقد تختلف الفصائل في حساباتها السياسية، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن قضية الأسرى كانت إحدى القضايا المركزية التي فرضتها الحرب والصفقة على طاولة التفاوض.

وتبقى المفارقة الأكثر إيلاماً، أن الزبيدي الذي تحرر من السجن بفعل تضحيات المقاومة بعد سنوات من إهمال قضيته من حركة فتح وسلطة رام الله، يجد نفسه اليوم في موقع التصفيق لمن يطالب المقاومة بالاعتذار عن الحدث نفسه.

فحين يصعد الإنسان سلّم السياسة، لا ينبغي أن ينسى من دفع ثمن الصعود، ولا أن يعيد كتابة التاريخ بحيث يبدو وكأنه وصل إلى موقعه منفرداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى