تحليلات واراء

عهد القناني والسجون: لماذا يُنظر إلى “التكنوقراط” كغطاء أمني لإعادة إنتاج الفوضى في غزة؟

يعكس عودة التلويح بملف “عهد القناني والسجون والتعذيب” إلى واجهة الخطاب العام في غزة إدراكًا شعبيًا متزايدًا بأن ما يُطرح اليوم تحت مسمى “لجنة تكنوقراط” لا يستهدف الإغاثة ولا إعادة الإعمار، بل يُقرأ على نطاق واسع بوصفه محاولة لإعادة تدوير وظيفة أمنية قديمة، استكملت أدوار الاحتلال بدل مواجهته، وأسهمت سابقًا في تمزيق النسيج الداخلي وإشعال الفوضى.

ففي السياق الغزّي، لا تُستدعى الذاكرة عبثًا، حيث الأعوام بين 2004 و2007 شكلت نموذجًا لانفلات أمني ممنهج، ارتبط ببنية أمنية رعَتها قيادات في حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وانتهت إلى صدام داخلي دموي، وتصفية حسابات، وسجون سرية، وملفات تعذيب لم تُحاسَب حتى اليوم.

لذلك، حين يُعاد فتح هذا الملف الآن في خضم محاولة وضع ترتيبات اليوم التالي لحرب الإبادة على غزة، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع واضحة: الخطر ليس نظريًا، بل مجرّب.

التكنوقراط كواجهة… والوظيفة أمنية

يقول منتقدو الطرح الحالي إن الحديث عن “خبراء مستقلين” يفقد معناه عندما تُدفع أسماء لها تاريخ أمني صدامي إلى واجهة الإدارة.

فالتكنوقراط، وفق تعريفه البسيط، هو إدارة خدمات وإعمار واقتصاد طوارئ، لا جهازًا لملاحقة المقاومين ولا منصة لإعادة تفعيل التنسيق الأمني.

لكن المؤشرات المتراكمة – من طبيعة الأسماء المطروحة، إلى الخطاب السياسي المصاحب، إلى الصمت عن أولويات المواطنين – تدفع كثيرين للاعتقاد بأن الهدف الحقيقي هو إعادة بناء قبضة أمنية في غزة، لا إعادة بناء البيوت والمستشفيات.

هنا تحديدًا يبرز ملف “عهد القناني” كرمز. فهو لا يُستحضر فقط بوصفه حادثة، بل كعنوان لمرحلة ساد فيها منطق السجون والاعتقال السياسي، وتحوّل فيها السلاح من مواجهة الاحتلال إلى تصفية الداخل. التلويح بهذا الملف اليوم يُقرأ كتحذير: ما يُخطط له قد يعيد إنتاج الأدوات نفسها، ولو بأسماء جديدة.

منطق ملاحقة المقاومة

يخشى قطاع واسع من الفلسطينيين أن تتحول “إدارة التكنوقراط” إلى ذراع تنفيذية لملاحقة فصائل المقاومة تحت لافتات “الاعتدال” و”محاربة التطرف”.

ولا ينبع هذا الخوف من رفض للنظام أو للقانون، بل من تجربة مريرة أثبتت أن هذه الشعارات استُخدمت سابقًا لتجريم المقاومة، وتجفيف حاضنتها الاجتماعية، وتسهيل مهمة الاحتلال في تفكيك أي قدرة على الردع.

في هذا الإطار، يُنظر إلى طرح التكنوقراط كفرصة ذهبية للبعض داخل فتح والسلطة لإعادة تموضعهم في غزة عبر فرض أمر واقع أمني، يضع المقاومة في خانة “المشكلة”، ويُعيد تعريف الأولويات بما يتماشى مع اشتراطات خارجية، لا مع حاجات الناس.

شبح الحرب الأهلية

أخطر ما في هذا المسار، بحسب محللين، أنه يفتح الباب أمام صدام داخلي جديد، فغزة اليوم ليست غزة 2006 والمجتمع أكثر إنهاكًا، والسلاح أكثر انتشارًا، والجراح أعمق.

ويؤكد المراقبون أن أي محاولة لفرض إدارة أمنية معادية للمقاومة لن تمر بسلاسة، بل ستدفع نحو احتكاكات قد تتطور إلى اقتتال، يعيد القطاع سنوات إلى الوراء، ويمنح الاحتلال ما عجز عن تحقيقه بالقوة العسكرية: تدمير الداخل بأيدي أبنائه.

وتقول التجربة التاريخية إن إشعال الفوضى الداخلية كان دومًا خدمة مباشرة للاحتلال، فبينما ينشغل الفلسطينيون بصراعاتهم، يُحكم الاحتلال قبضته، ويُوسّع استيطانه، ويُفرغ أي حديث عن دولة أو سيادة من مضمونه.

لذلك، يرى كثيرون أن أي مشروع لا يضع حماية السلم الأهلي والمقاومة في صلب أولوياته، هو مشروع محفوف بالخطر.

الإعمار أم إعادة السيطرة؟

السؤال المركزي الذي يطرحه الشارع الغزّي بسيط ومباشر: أين الإعمار؟ أين خطة الكهرباء والمياه والمستشفيات؟ أين تعويض الناس؟ الصمت عن هذه العناوين، مقابل التركيز على “الأمن” و”الضبط” و”إعادة الهيكلة”، يعزز الشكوك بأن الخدمات ليست الهدف، بل إعادة السيطرة السياسية والأمنية.

وإن استدعاء ملف “عهد القناني والسجون والتعذيب” ليس تحريضًا، بل تذكيرًا بأن الذاكرة الجمعية لا تُمحى، وأن من يريد إدارة غزة لا بد أن يجيب أولًا عن الماضي قبل أن يَعِد بالمستقبل ودون ذلك، ستبقى “التكنوقراط” كلمة جميلة تُستخدم لتغطية مشروع قديم، أثبت فشله، ودفع الفلسطينيون ثمنه دمًا وانقسامًا.

وعليه فإن التحذير ليس من التكنوقراط كفكرة، بل من تحويلها إلى حصان طروادة يعيد الفوضى، ويستكمل وظيفة الاحتلال، ويضع غزة على حافة حرب أهلية جديدة. والشارع، هذه المرة، أكثر وعيًا وأقل استعدادًا لدفع الثمن مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى